السبت, 31 أكتوبر 2026|19 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

خلال الأيام والأشهر الماضية، حظيت المنطقة الشرقية في السعودية بلقاءات وزيارات متعددة من أمراء ووزراء ومسؤولين، وشهدت المنطقة إطلاق مشاريع وشراكات، منها إطلاق شركة (أشراق للتنمية والتطوير) لتعزيز الاستثمار في الفرص التنموية واستدامتها، ومشروع (ساحل الخليج للتطوير العقاري) التابعة لصندوق الاستثمارات العامة في مدينة الخفجي، ومشروع (الدمام الجديد)، وتعكس هذه التطورات مرحلة تتسع فيها محركات النمو وتتعمق العلاقات بين القطاعات المختلفة وفي مقدمتها الطاقة والصناعة والتخطيط الحضري وأنشطة الخدمات والبنية التحتية.

وتستند هذه المرحلة إلى قاعدة اقتصادية كبيرة، فبحسب الأرقام التي عرضها  وزير الاستثمار خلال الأسبوع الماضي، فقد بلغ الناتج المحلي للمنطقة الشرقية ما يقارب 1.47 تريليون ريال العام الماضي، وبلغ حجم تدفقات الاستثمار الأجنبي لتلك المنطقة نحو 57 مليار ريال، وتمنحها الطاقة والصناعة والموانئ والمنافذ الخليجية ميزات للتوسع والتصدير، فيما تفتح التنمية الحضرية والسياحية أسواقا جديدة. ويأتي هذا الحراك ضمن توجه المملكة إلى تعزيز التنمية المتوازنة للمناطق، وتمكين كل منطقة من استثمار خصائصها وميزاتها النسبية في اقتصاد وطني متكامل.

وتقود هذه التطورات هيئة تطوير المنطقة الشرقية وشركاؤها والتي ترتكز استراتيجيتها المعلنة على التخطيط الاستراتيجي والمكاني، والتكامل بين الجهات الحكومية وتحفيز مشاركة القطاع الخاص، وتساندها المشاركة المجتمعية والتميز المؤسسي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ما يتيح لها وصل التنمية المكانية بفرص وأوليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ومن منظور اقتصادي واستراتيجي، نرى أن القيمة الممتدة تتحدد لهذا الحراك بقدرة المشروعات على توليد نشاط يتواصل بعد إنشائها. فالإنفاق يحرك المقاولات والتوريد، بينما يصنع التشغيل طلباً مستمراً، وتضيف الشراكات المعرفة والمهارات، وتفتح المنتجات الجديدة أسواقاً للتجارة والتصدير. وعندما تستفيد منشآت متعددة من هذه العلاقات سنلاحظ تضاعف الأثر ويترجم نمو تلك العلاقات إلى وظائف نوعية ودخل أفضل وأكثر استقراراً إضافة إلى تحسن جودة الخدمات وتوسعها.

وفي الطاقة، تعزز جهود منظومة الجهات ذات العلاقة توطين الصناعات والخدمات المرتبطة وتنمية سلاسل الإمداد، ومنها المصانع المتخصصة، ويكمن الأثر في تحويل طلب الشركات إلى قدرات محلية في التصنيع والهندسة والصيانة. وتقدم شركة أرامكو مثالاً لذلك عبر برنامج (اكتفاء) التي أعلنت في فبراير الماضي تحقيق 70 % للمحتوى المحلي على مستوى المملكة، مستهدفة 75% بحلول  2030.

ويتيح حضور الشركة في المنطقة الشرقية فرصاً للبناء على هذه التجربة عبر احتياجاتها بمنشآت وشراكات تطوير التصنيع والمهارات والخدمات المتخصصة. ويتيح كذلك وجود الشركات الكبرى الأخرى كتلك التي في مدينة الجبيل الصناعية قاعدة لتوسيع هذه الروابط، فوضوح احتياجاتها المقبلة ومتطلبات تأهيل الموردين يساعدان المستثمر المحلي على تحديد مجالات التوسع والتطوير، ويمنحان المستثمر الأجنبي فرصة لبناء شراكات تستند إلى طلب محدد، ومع تطور الموردين، سنرى اتساعا للقيمة المضافة وتزداد القدرة على إنتاج خدمات ومنتجات قابلة للتصدير، بما يعزز تنوع الاقتصاد ومرونة سلاسل الإمداد.

وفي التنمية الحضرية، تتكامل جهود وزارة البلديات والإسكان والقطاع الخاص في تطوير المدن واستثمار الأصول وجذب وتحفيز الاستثمار. ويتيح إطلاق شركة (أشراق) توسيع الشراكات، فيما يعزز مشروع (الدمام الجديد) فرص التكامل بين السكن والعمل والخدمات والأنشطة الأخرى.

ويمتد الأثر من البناء والتجهيز إلى التجارة والتشغيل والتصنيع وإدارة المرافق، فتتعدد فرص مشاركة المنشآت المحلية وتتحول المواقع المطورة إلى بيئات تولد نشاطاً اقتصادياً متجدداً.

ولا ننسى المشاريع القادمة التي تدعم السياحة وأنشطة التجارة والترفيه والخدمات كمشروع الخفجي وكذلك مشروع الدمام الجديد، التي ستستفيد من تنوع مقومات المنطقة وقربها من أسواق الخليج. ويتضاعف الأثر بتكاملها مع النقل والثقافة والأنشطة البحرية، وارتباطها بالموردين والمشغلين المحليين والإقليميين، واستقطاب خبرات تطور الخدمات وتؤهل العاملين. وتظهر استدامة هذا الأثر في التفكير كيف يمكن توجيه الأنشطة لتحفيز زوار المنطقة لتكرار الزيارات وكذلك تحفيز الإنفاق سواء عن طريق إطالة مدة الإقامة أو تنوع الأنشطة التجارية والترفيهية، واستمرار النشاط طوال العام، بما يدعم الأعمال وفرص العمل لكافة فئات المجتمع من أسر منتجة إلى ذوي الخبرات.

ونستطيع الاستفادة من تقارير هيئة تطوير المنطقة الشرقية لوضع إطار لقياس ومتابعة الأثر الاقتصادي والتنموي يبدأ بقراءة الطلب الذي ستولده هذه التطورات، وما يتوافر محلياً لتلبيته، وما يحتاج إلى تطوير أو استقطاب، وبالطبع بربط ذلك ببيانات الجهات ذات العلاقة كالهيئة العامة للإحصاء ووزارة الاستثمار والجهات الأخرى، كي تتضح لنا الفجوات بوصفها فرصاً متاحة للتكامل الاقتصادي سواء كانت كمصنع يكمل سلسلة إنتاج، أو خدمة تصل منشآت بالأسواق، أو مهارة يحتاجها نشاط متوسع أو جديد.

ولتحفيز الاستثمار المحلي، تبرز أهمية تحويل هذه الفرص إلى مسارات واضحة يستطيع المستثمر تقدير طلبها وتوقيتها ومتطلبات الدخول إليها. فإتاحة احتياجات المشروعات والشركات، ومن ثم ربطها بالمواقع المناسبة والشركاء والتمويل، سيساعد المنشآت القائمة على التوسع وتشجيع تأسيس أعمال جديدة. أما جذب المستثمر الأجنبي، فيتعزز بعرض المنطقة الشرقية بوصفها قاعدة متكاملة للإنتاج والتشغيل والوصول إلى الأسواق الخليجية والعالمية. ويحتاج ذلك إلى فرص تتضح فيها جاهزية المواقع والخدمات والإجراءات، وإمكانات الشراكة مع الشركات المحلية.

وتساعد اللقاءات المتخصصة مع المصنعين والمشغلين الدوليين على استقطاب خبرات تلبي احتياجات محددة. وتتحقق القيمة الأعمق عندما تجمع الشراكة معرفة السوق المحلية بالتقنية والإدارة وشبكات التصدير، فتضيف قدرات جديدة للاقتصاد.

وكي لا نطيل على القارئ، نرى أن تكامل جهود جميع الجهات يهيئ المنطقة الشرقية لمرحلة تتعزز فيها كفاءة الإنتاج، وتتسع الروابط بين الصناعة والخدمات والأسواق. وبالبناء على جهود الهيئة وشركائها، يتيح بناء إطار اقتصادي وتنموي يربط الطلب بالفرص قياس انتقالها إلى استثمارات وتشغيل، ثم إلى نمو المنشآت والوظائف وتحسين الدخل.

ويتضح الأثر في استمرار الأعمال، وتطور المهارات ونوعيتها، واتساع المشتريات المحلية، وتحسن الوصول إلى الخدمات. وتساعد هذه المتابعة من خلال الإطار على توجيه الممكنات استباقياً وتوسيع الاستفادة من الكوادر البشرية وأصحاب الأعمال. وبذلك يتحول زخم المشروعات إلى إنتاجية أعلى وقاعدة أعمال أكثر تنوعاَ، بما يُعزز تنافسية الاقتصاد الوطني. وفي الختام، نتطلع إلى مؤتمر استثماري عالمي للشرقية يجمع هذه المسارات ويعزز الشراكات، ويخرج بنتائج لوضع خطط استراتيجية لمضاعفة الأثر الاقتصادي والاجتماعي.

خبير اقتصادي واستراتيجي، جمعية الاقتصاد السعودية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية