الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 9 أبريل 2026 | 21 شَوَّال 1447
Logo

السينما لم تعد ترفيهًا .. بل أصبحت صناعة وطنية ناشئة

محمد البيشي
الأربعاء 8 أبريل 2026 17:13 |4 دقائق قراءة


محمد البيشي

رئيس تحرير الاقتصادية

في 2025، شهد شباك التذاكر السعودي قفزة ملحوظة تعكس تحولًا حقيقيًا في صناعة السينما في السعودية، حيث بلغت الإيرادات الإجمالية 920.8 مليون ريال، مع بيع نحو 18.8 مليون تذكرة عبر 538 فيلمًا معروضًا. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة، بل دليل واضح على أن السينما أصبحت جزءًا أصيلاً من نمط الحياة الترفيهية في المجتمع السعودي، ومحركًا اقتصاديًا وثقافيًا يجذب الاستثمارات ويفتح آفاقًا جديدة للمبدعين المحليين.

تبرز الأفلام السعودية كواحدة من أبرز الظواهر في هذا التقرير، إذ حقق 11 فيلمًا سعوديًا إيرادات بلغت 122.6 مليون ريال، تمثل حصة سوقية تصل إلى 13% من إجمالي الإيرادات. هذا الرقم يعكس نموًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة، ويؤكد أن الجمهور السعودي بات يثق أكثر فأكثر بالمحتوى المحلي.

قاد هذا النجاح فيلم «الزرفة»، الذي حقق المرتبة الثالثة ضمن قائمة أعلى عشرة أفلام مبيعًا في شباك التذاكر المحلي، محققًا إيرادات قوية ساهمت في تعزيز مكانة السينما السعودية بين الإنتاجات العالمية. كما جاء فيلم «شباب البومب2» في المرتبة الخامسة، ما يبرز جاذبية الأعمال الكوميدية التي تلامس واقع الشباب وتعكس همومهم بطريقة مرحة ومباشرة.

هذان الفيلمان، إلى جانب أعمال أخرى مثل «هوبال»، أثبتا أن القصص المحلية عندما تُروى بمهنية وإبداع، تستطيع منافسة الأفلام الهوليوودية الكبرى وجذب ملايين المشاهدين. يأتي هذا النجاح المحلي في سياق نمو عام للسوق السينمائية، حيث تصدرت الأفلام الأمريكية الحصة الأكبر بنسبة 55.2%، تلتها الأفلام العربية التي شكلت 36% من الإيرادات بإجمالي 331 مليون ريال من 64 فيلمًا.

هذا التنوع يعكس ذائقة الجمهور المتسعة، التي باتت تتقبل المحتوى العربي والمحلي بثقة متزايدة، بعد سنوات من سيطرة الإنتاجات الأجنبية. الجمهور السعودي لم يعد يرى في السينما مجرد ترفيه عابر، بل تجربة ثقافية تعبر عن هويته وتلامس يومياته.

ومع متوسط سعر تذكرة يبلغ 49 ريالاً، أصبحت زيارة السينما خيارًا اقتصاديًا ميسورًا لشرائح واسعة من المجتمع، ما ساهم في زيادة عدد التذاكر المبيعة من 17.7 مليون في 2024 إلى 18.8 مليون في 2025، بنمو يقارب 8.9% على أساس سنوي.

من أبرز ملامح العام، تحول موسم الصيف إلى «موسم ذهبي» سينمائي راسخ. خلال الأشهر الثلاثة من يونيو إلى أغسطس، جمعت دور العرض 343 مليون ريال، أي ما يعادل 37% من الإيرادات السنوية كاملة. هذا الرقم يؤكد أن الصيف لم يعد مجرد إجازة مدرسية أو فترة راحة، بل أصبح تجربة ترفيهية جماعية تنتظرها العائلات والشباب على حد سواء.

الأفلام الكوميدية والأكشن، سواء محلية أو عالمية، وجدت في هذا الموسم مناخًا مثاليًا للنجاح، حيث يفضل الجمهور الخروج إلى صالات السينما للهروب من حرارة الطقس والاستمتاع بقصص مشوقة على الشاشة الكبيرة. هذا التحول يعكس نضجًا في ثقافة الترفيه السعودية، مدعومًا بتوسع شبكة دور العرض وتحسين الخدمات داخلها.

تكمن أهمية هذه الأرقام في كونها تتجاوز الجانب التجاري إلى البعد الثقافي والاقتصادي الأوسع. السينما أصبحت محرك نمو حقيقي، يساهم في صناعة فرص عمل للمخرجين والكتاب والممثلين والفنيين السعوديين، ويجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية إلى قطاع الإنتاج.

كما أن زيادة الثقة بالمحتوى العربي والسعودي تحفز الشباب على دخول مجال صناعة الأفلام، سواء ككتاب سيناريو أو مخرجين أو حتى ممثلين، ما يبني جيلًا جديدًا من المبدعين القادرين على رواية قصصنا بأسلوب عالمي المستوى.

في السابق، كان الإنتاج المحلي محدودًا ويواجه تحديات في جذب الجمهور، لكن اليوم أصبحت الأفلام السعودية قادرة على تحقيق إيرادات متوسطة تصل إلى 11.1 مليون ريال للفيلم الواحد، وهو رقم يشجع على مزيد من المشاريع الطموحة.

مع ذلك، يظل أمام الصناعة تحديات مهمة. على الرغم من أن الأفلام السعودية هي 2% من إجمالي عدد الأفلام المعروضة في شباك التذاكر (11 فيلمًا من أصل 538)، إلا أنها حققت ما يقارب 13% من إجمالي الإيرادات، وهو ما يعكس حضورًا قويًا قياسًا بحجم الإنتاج.

كما أن المنافسة مع الإنتاجات العالمية الكبرى تتطلب رفع مستوى الجودة الفنية والتسويق الذكي الذي يصل إلى الجمهور الشاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي. النجاحات مثل «الزرفة» و«شباب البومب2» أثبتت أن الجمهور جاهز لاحتضان القصص المحلية إذا كانت ممتعة ومؤثرة.

في النهاية، يمثل تقرير شباك التذاكر لعام 2025 نقطة تحول في رحلة السينما السعودية. من مجرد سوق ناشئة بعد إعادة افتتاح دور العرض، أصبحت السعودية اليوم أكبر سوق سينمائية في الشرق الأوسط، تتصدر المنطقة بإيرادات تقترب من المليار ريال.

هذا النمو ليس  وليد صدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية تدعم الثقافة والترفيه كركيزة من ركائز التنمية. مع استمرار الدعم وبرامج الحوافز في إطار تكامل الجهود بين الجهات الحكومية وشبه الحكومية والقطاع الخاص. مع تزايد الوعي الجماهيري، يتوقع أن تشهد الأعوام المقبلة قفزات أكبر، حيث يصبح الفيلم السعودي ليس فقط منافسًا محليًا، بل سفيرًا ثقافيًا يروي قصة السعودية للعالم. السينما في السعودية لم تعد مجرد ترفيه؛ إنها استثمار في المستقبل، ومرآة تعكس تطور مجتمع يتقدم بثقة نحو آفاق إبداعية جديدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية