الانتقال من التنفيذ بأي تكلفة إلى التنفيذ بالتكلفة الصحيحة وعلى المشاريع ذات الأولوية والأثر المباشر .. كانت تلك هي آخر الرسائل السعودية حول مشاريعها العملاقة ومبادراتها الضخمة والطموحة التي تتضمنها رؤية 2030.
وزير المالية السعودي محمد الجدعان كان سباقا في هذا الطرح قبل نحو عام وكررها في ديسمبر الماضي خلال إعلان الميزانية العامة للدولة عندما أعلن أن السعودية لديها الجرأة لإعادة النظر في الإنفاق على المشاريع بما يخدم المالية العامة والوضع الراهن والتغيرات الاقتصادية.
ثم أعاد تأكيدها أمام المجتمع الدولي خلال أعمال منتدى دافوس الدولي في سويسرا مطلع هذا الشهر عندما قال: "إن السعودية لا تخجل من إجراء تعديلات على خططها الاقتصادية، بما في ذلك إبطاء وتيرة بعض المشاريع" وهو ما سار إليه في رده على سؤال لقناة "الشرق بلومبرغ" خلال مؤتمر التواصل الحكومي الأخير كما شدد على أن الهدف هو ضمان كفاءة الإنفاق وتحقيق مستهدفات الرؤية بما يتماشى مع المستجدات، مؤكداً مرونة الخطة.
وزير الاقتصاد السعودي من جهته أكد في أكثر من لقاء مفتوح ضمن جلسات منتدى دافوس العالمي أن السعودية ستعتمد مسار الإنفاق الذكي، وهو ما يعني إنفاقا أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأسرع في الأثر أيضا.
الوزير فيصل الإبراهيم أشار إلى نقطة مهمة جدا وأعتقد أنها "مربط الفرس" وهي "أنه يجري الآن في السعودية توجه لتنفيذ المشاريع الكبرى بأفضل تكلفة ممكنة بعد أن كان الشعار السابق تنفيذ هذه المشاريع بأي تكلفة كانت".
وكنت قد كتبت مقالا تحت عنوان "رؤية 2030 ليست قرآنا" في "الاقتصادية" بداية العام الماضي أكدت من خلاله أن إعادة تقييم مشاريع ومستهدفات رؤية 2030 نهج حكومي، وأن هذه الرؤية ليست شيئا مقدسا علينا الالتزام به حتى آخر رمق.
الواقع أن القيادة في السعودية عندما وضعت اللبنات الأولى للرؤية كانت حينها الظروف السياسية والجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم مختلفة عما هي عليه اليوم، كما أن الظروف السياسة المالية والنقدية في العالم لم تكن كما هي عليه اليوم، فمنذ ذلك التاريخ هبطت أسعار النفط بنحو 30%، واشتعلت حرب تجارية، وتضررت سلاسل الإمداد خلال الجائحة، وارتفعت الفوائد، ومعها حدثت تغيرات في هيكلية الاقتصاد العالمي. كل تلك التغيرات الهائلة في الاقتصاد العالمي لم تكن حاضرة، إلى جانب موضوعات أخرى مهمة للغاية، عندما أطلقت السعودية الرؤية لم تكن بعد على يقين أنها ستستضيف إكسبو 2030 في الرياض، ولا كأس العالم في 2034، وهي استحقاقات تحتاج لمشاريع كبرى ومهمة وميزانيات مخصصة.
كما أن القيادة حين كانت تعد الرؤية كانت تعلم أن رفع سقف الطموحات وعدم النجاح في تحقيق بعضها أفضل من وضع طموحات متواضعة وتنفيذها بالكامل دون أن تنتج تغيرات كبيرة وحقيقية.
وسبق أن أشار ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان عدة مرات في لقاءات مع الإعلاميين كنت أحد حضورها إلى أن تطبيق 70% أو 60% من مستهدفات الرؤية كاف جدا لإحداث التغيير الاقتصادي والاجتماعي المطلوب في السعودية.
ولأنني أحد المتابعين بشدة لمسار رؤية 2030 خلال العشر سنوات الماضية، وللاقتصاد السعودي على مدى 25 عاما، فإن ما أحدثته الرؤية خلال الأعوام الماضية من تغييرات عميقة جدا في الاقتصاد السعودي، من توفير صناعات جديدة مثل التعدين والصناعات التحويلية والسياحة والترفيه والتقنية والثقافة والرياضة، وتحويلها إلى صناعات مساهمة بشكل أكبر في الناتج المحلي، وما ستتركه من أثر كبير في نوع وحجم الوظائف مستقبلا وإيرادات الدولة، هو كاف بحد ذاته.
كما أن العشرات من مستهدفات الرؤية في البطالة، وإشراك المرأة في سوق العمل، وتملك المساكن، وتعظيم دور القطاع الخاص، ودعم رواد الأعمال، وجذب المستثمرين الدوليين، ومحاربة الفساد، واستقطاب السياح العالميين، قد تجاوزت المستهدف بكثير، وغيرها المئات من المستهدفات.
أما على صعيد المشاريع العملاقة أو "ميجا بروجكت" التي تتحدث بعض التقارير غير الدقيقة أحيانا عن إعادة جدولتها وتوقيف بعضها، مثل مشاريع نيوم أو المربع، فإن تلك التقارير لا تتحدث عن مشاريع البحر الأحمر التي أنجزت وفق أعلى المعايير العالمية، ولا عن مشاريع أمالا، ولا عن مشروع الدرعية أحد أعظم مشاريع إعادة تأهيل المدن في العالم، ولا عن مشاريع مدينة مسك، ولا عن القدية، التي باتت ماثلة أمامنا، كما أنها لا تتحدث عن قطار الرياض الذي دشن في عهد الرؤية، وشبكات سكك الحديد بين المدن، ولا عن المطارات التي أعيد تحديثها وأضيف إليها كوكبة من المطارات الجديدة، ولا عن المناطق اللوجستية والخاصة التي دشنت، ولا عن مركز الملك عبدالله المالي الذي دشن، وحُدِّث وتمت إعادة هيكلته ضمن خطط الرؤية، ولا عن مشاريع الحرمين العملاقة، ولا عن مسار مكة الذي يضم وحده 100 فندق جديد على بعد أمتار من الحرم، وإزالة عشوائيات جدة ومكة التي لم تنجح السعودية لعقود في حلها كمعضلة تنموية، ولا عن خطط تطوير المناطق وإطلاق إستراتيجيات متقدمة في عسير والمدينة المنورة ومكة المكرمة وحائل وغيرها من المدن، ولا عن البنية التحتية للتطور الهائل في الرياضة بجميع أنواعها مثل ملاعب الفورملا أو الراليات أو الملاكمة أو ملاعب الجولف، ولا عن الجامعات الجديدة، والقائمة تطول.
تغير هائل في شكل ومضمون الاقتصاد السعودي، تشريعات خلال السنوات الماضية، ومشاريع نوعية وكبرى جرى ويجري تنفيذها على أكمل وجه في قطاعات متعددة، قطاعات الصناعة والسياحة والترفيه، وقطاع التعليم والتقنية والتكنولوجيا، والقطاع المالي، ثم تبعها أخيرا تغيرات كبرى في قطاعي العقار وأسواق المال من خلال السماح للأجانب بالاستثمار المباشر والتملك في هذين القطاعين.
ما أريد قوله: إن المراجعة الدائمة لمشاريع رؤية 2030 وإعادة تقييمها لا يعني فشلها أبدا، وخططها المتنوعة والمرنة هي نقطة قوة وليست نقطة ضعف، كما أن العشرات من الخطط الاقتصادية التي تضعها الدول من حول العالم خصوصا خطط التحول الاقتصادي لم تنجح جميعها، وبعضها حقق جزءا بسيطا منها ووصل إلى الهدف. والأمثلة كثيرة ليس المجال هنا متاحا لذكرها، فالخطط الاقتصادية تخضع دوما للتغييرات بناء على الظروف الدولية والمحلية وهو ما يمكن تسميته بـ"البراغماتية الاقتصادية".
