سارا العلقم
@saraalalqam
تمثل المملكة العربية السعودية نحو 10% من الإمدادات النفطية العالمية، بإنتاج يراوح بين 10 و11 مليون برميل يوميًا، كما تمتلك الحصة الأكبر من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية عالميًا، ما يجعلها الدولة الأكثر قدرة على تحقيق التوازن في الأسواق عند الأزمات.
ولا يقتصر دور السعودية على إمدادات الوقود، بل يمتد إلى مدخلات الإنتاج الزراعي عالميًا، وعلى رأسها الأمونيا، التي تُعد أساسًا في صناعة الأسمدة النيتروجينية المستخدمة في الزراعة الحديثة. وتسهم هذه الأسمدة بشكل مباشر في نحو 40–50% من إنتاج الغذاء العالمي، ما يربط استقرارها باستقرار الإمدادات الغذائية على مستوى العالم.
وتُعد السعودية من أكبر مورّدي الأمونيا عالميًا، وهو ما يمنحها دورًا مؤثرًا في استقرار سوق الأسمدة، وبالتالي في استقرار إنتاج الغذاء وسلاسله عالميًا.
وبذلك، تُعد السعودية طرفًا محوريًا في معادلة عالمية مترابطة، تبدأ بالطاقة… وتمتد آثارها إلى الغذاء والاستقرار الاقتصادي.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة أخيرا، اتجهت السعودية إلى تعزيز استمرارية الإمدادات عبر تنويع مسارات التصدير، وعلى رأسها المسار الغربي عبر البحر الأحمر، في خطوة تعكس قدرة استراتيجية على التكيف مع المتغيرات، وضمان تدفق الطاقة للأسواق العالمية دون انقطاع.
ويأتي اعتماد السعودية على هذا المسار مدعومًا بدرجة عالية من الجاهزية الأمنية والتشغيلية، حيث استثمرت بشكل مستمر في حماية منشآتها الحيوية وتأمين خطوط الإمداد، إلى جانب تطوير قدراتها البحرية والدفاعية لضمان استمرارية التدفق في مختلف الظروف.
كما تمتلك خبرة متراكمة في التعامل مع التهديدات غير التقليدية، ما يعزز قدرتها على حماية هذا المسار الحيوي واحتواء المخاطر المرتبطة به، بما يحافظ على استقرار الإمدادات العالمية.
غير أن طبيعة هذا الممر البحري تفرض واقعًا مختلفًا؛ فامتداده الجغرافي عبر عدة دول يجعله مسارًا مشتركًا، يتأثر بتوازنات متعددة، ولا يخضع لسيطرة طرف واحد بشكل كامل. وهو ما يجعل هذا المسار، رغم جاهزيته العالية، عرضة لاحتمالات التصعيد في حال اتساع نطاق التوترات.
وهو ما يفتح احتمالًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في تعرض مسارات التصدير الأساسية والبديلة لضغوط متزامنة، بما يعني أن المخاطر قد لا تقتصر على ممر واحد، بل تمتد لتشمل منظومة الإمداد بالكامل في الوقت ذاته.
وتجسد تصريحات الأمير فيصل بن فرحان آل سعود وزير الخارجية هذا النهج، من خلال التأكيد على أهمية ضبط النفس وتغليب الحلول التي تحد من التصعيد، حفاظًا على استقرار المنطقة وسلامة الإمدادات العالمية.
وعليه، يمكن قراءة الموقف القائم على الهدوء الاستراتيجي بوصفه تعبيرًا عن مسؤولية أوسع. فالدخول في مواجهة مباشرة لا يقتصر أثره على أطراف النزاع، بل قد يؤدي إلى اضطراب واسع في الممرات الحيوية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وانعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة والغذاء عالميًا.
إن السعودية، بحكم موقعها وثقلها في أسواق الطاقة، تدرك أن قراراتها تتجاوز نطاقها الجغرافي، لتلامس حياة ملايين البشر حول العالم. ومن هذا المنطلق، يجري التعامل مع التصعيد بمنهج يسعى إلى احتوائه لا توسيعه، حفاظًا على استقرار دولي يرتبط في جوهره بتأمين احتياجات الإنسان الأساسية.
إن نهج السعودية القائم على الهدوء الاستراتيجي لا يعكس ترددًا، بل يعكس وعيًا بحجم الدور الذي تؤديه. فالدولة التي تسهم في استقرار الطاقة، وتسهم في مدخلات الغذاء، لا يمكن أن تتعامل مع التصعيد بمعزل عن أثره في العالم.
ولهذا، فإن تغليب الحكمة، وتجنب توسيع دائرة الصراع، والعمل على حماية مسارات الإمداد، لا يُعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة إنسانية واقتصادية، هدفها في جوهره الحفاظ على استقرار عالم يعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على استمرار تدفق الطاقة والغذاء.
مهندسة بترول وباحثة في اقتصادات الطاقة
