علي الشهابي
ترتيب الأولويات وتأمين مسارات الطاقة والتجارة.. نهج يضع مرونة التنفيذ والاستعداد للصدمات في صلب السياسات
تجارب الصين والقطار فائق السرعة في كاليفورنيا تبرز مخاطر تأخير مراجعة المشاريع الضخم
إعادة تحديد نطاق "نيوم" تُظهر انتقال السعودية من التمسك بالمشاريع فائقة الطموح إلى نهج أكثر انضباطاً
الخلاصة
أعادت السعودية ضبط مشروع "نيوم" 2017، محولة تركيزه من السياحة إلى الطاقة المتجددة والصناعة والذكاء الاصطناعي. أثبتت قدرتها على التكيف مع الظروف الصعبة، مثل الحرب وتأثيرها في صادرات النفط عبر خط أنابيب "شرق-غرب" الذي ينقل 7 ملايين برميل يومياً. السعودية أصبحت شرياناً لوجستياً حيوياً للخليج، مع قدرة على التعافي السريع بعد الهجمات.
عندما أُعلن عن مشروع "نيوم" 2017، جسّد النزعة نحو المشاريع فائقة الطموح التي طبعت البدايات الأولى لرؤية 2030 مدينة مستقبلية على ساحل البحر الأحمر، تعمل بالطاقة النظيفة وتعتمد على البيانات، وتتجاوز القيود الموروثة عن مرحلة سابقة من عمر الدولة.
كانت التصاميم مبهرة والطموحات حقيقية، لكن كان هناك أيضاً، كما اتضح لاحقاً، خطر حقيقي في أن يسبق التصور القدرة على التنفيذ.
ما يهم اليوم ليس مجرد أن السعودية أعادت ضبط مشروع "نيوم"، بل أنها فعلت ذلك بحزم، من دون افتراض أن المخطط الأصلي يجب أن يظل ثابتاً من دون تعديل. وهذا الاستعداد لتغيير المسار ليس نقطة ضعف، بل بات واحداً من أبرز عناصر قوة الدولة السعودية.
تعامل بعض المنتقدين مع إعادة تحديد نطاق "نيوم" بوصفها دليلاً على التعثر. لكن القراءة الأكثر اتزاناً هي أن الرياض اختارت الانضباط في التنفيذ وإعادة ترتيب الأولويات. فالإستراتيجية الجديدة لصندوق الاستثمارات العامة تنقل تركيز "نيوم" من السياحة والتصميم الحضري المستقبلي، اللذين حظيا بالأولوية في السابق، إلى الطاقة المتجددة والصناعة ومراكز البيانات. كما تمنح إستراتيجية الصندوق الأوسع وزناً أكبر للخدمات اللوجستية والمعادن والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
وكان المسؤولون السعوديون صريحين على نحو لافت بشأن هذا التحول. وقال وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم لوكالة "رويترز" إن الحكومة لن "تتردد" في الإقرار بضرورة تعديل مشروع ما أو تأجيله أو إعادة تحديد نطاقه. وهذه ليست لغة تراجع، بل تعكس حكومة تتعلم كيفية تخصيص رأس المال بقدر أكبر من الصرامة في ظل ظروف تزداد صعوبة.
خيارات إستراتيجية دعمت قدرات السعودية
وفّرت الحرب التي بدأت في أواخر فبراير اختباراً أقسى بكثير لهذه العقلية. ففي الأشهر الأخيرة، اضطرت السعودية إلى العمل، لا في عالم المخططات الشاملة، بل تحت ضغوط عسكرية وضغوط مباشرة في الأسواق. والحكومة نفسها التي أبدت استعداداً لإعادة تصميم "نيوم" قبل أن تفرض تكاليفه ضغوطاً أكبر على الأولويات الاستثمارية، أثبتت قدرتها على امتصاص الصدمات وإعادة توجيه التجارة واتخاذ قرارات تشغيلية صعبة بسرعة. والمبدأ واحد في الحالتين: عندما تتغير الظروف، لا تتمسك الحكومة السعودية بخطتها الأصلية عندما تستدعي الظروف تعديلها، بل تتكيف مع الواقع الجديد.
لا شيء يجسّد ذلك أفضل من خط أنابيب "شرق–غرب". فعندما أدت الحرب فعلياً إلى توقف صادرات النفط الخام عبر مضيق هرمز، أصبح المسار السعودي إلى ينبع على البحر الأحمر منفذاً رئيسياً لتصدير الخام. ويمكن للخط نقل ما يصل إلى 7 ملايين برميل يومياً إلى الساحل الغربي، يتاح منها نحو 5 ملايين برميل للتصدير.
أتاحت هذه البنية التحتية للسعودية خياراً افتقر إليه جيرانها إلى حد كبير، إذ اضطُر العراق والكويت ومنتجون آخرون إلى إجراء تخفيضات أكبر، بسبب محدودية البدائل المتاحة لهم بعد تعذر استخدام مضيق هرمز. وهكذا أثبتت القدرة الاحتياطية، التي يُنظر إليها أحياناً في الظروف العادية باعتبارها تأميناً مكلفاً، أنها أصل إستراتيجي بالغ الأهمية.
وتمنح ينبع السعودية أيضاً مرونة داخل البحر الأحمر نفسه. فإذا تعرض مضيق باب المندب عند مدخله الجنوبي للتهديد، يمكن للنفط الخام المنقول من الساحل الغربي للمملكة أن يتجه شمالاً عبر قناة السويس إلى أسواق البحر المتوسط وأوروبا. بل يظل من الممكن تزويد العملاء في آسيا أيضاً، من خلال نقل الشحنات عبر قناة السويس ثم حول رأس الرجاء الصالح، وإن كانت الرحلة الأطول بكثير ستفرض على السعودية تكاليف شحن أعلى.
تترك هذه المرونة الإضافية المملكة في موقع أفضل للتكيف، ليس فقط مع إغلاق مضيق هرمز، بل كذلك مع تعطل حركة الملاحة عند نقطة الاختناق الرئيسية الأخرى للبحر الأحمر. وهذا مثال إضافي على الكيفية التي تعزز بها الخيارات الجغرافية والاستثمارات في البنية التحتية قدرة الدولة على الصمود.
ينطبق الأمر نفسه على الواردات. وبرز ساحل السعودية على البحر الأحمر بوصفه دعامة لوجستية احتياطية لمنطقة الخليج بأسرها. وارتفعت أحجام الشحنات الواردة إلى جدة ارتفاعاً هائلاً بعد بدء النزاع، كما شهدت موانئ أخرى على البحر الأحمر، من بينها "نيوم"، زيادة كبيرة في الحركة بعدما عطلت الأزمة الوصول إلى موانئ الخليج الواقعة شرق هرمز.
وعملياً، لم تصبح السعودية أكثر قدرة على الصمود فحسب، بل تحولت أيضاً إلى شريان لوجستي حيوي لجيرانها. وهذا تطور إستراتيجي تتجاوز تداعياته الأزمة الراهنة بكثير.
لا يعني شيء من ذلك أن السعودية محصّنة من الأخطار؛ فمن الواضح أنها ليست كذلك. تعرضت منشآتها للطاقة لهجمات أدت أحياناً إلى خفض الإنتاج بصورة مؤقتة. لكن القدرة على الصمود لا تعني تجنب الضرر بالكامل، بل تعني الاحتفاظ بالقدرة على مواصلة العمل، وإعادة توجيه الإمدادات، واستعادة الطاقة الإنتاجية، والحفاظ على أداء الأسواق بعد تلقي الضربة.
لدى السعودية خبرة مؤسسية يمكنها الاستناد إليها. ففي أعقاب هجمات سبتمبر 2019، التي أخرجت 5.7 ملايين برميل يومياً من الإنتاج، استعادت "أرامكو" طاقة إنتاجية بلغت 11.3 مليون برميل يومياً في غضون 11 يوماً، وفق وكالة "رويترز".
في أكتوبر الماضي، قال الرئيس التنفيذي لـ"أرامكو" إن الشركة قادرة على المحافظة على إنتاج قدره 12 مليون برميل يومياً لمدة عام، بينما قدّرت وكالة الطاقة الدولية الطاقة الإنتاجية الاحتياطية للسعودية بنحو 2.43 مليون برميل يومياً. وقد تبدو الطاقة الاحتياطية ومسارات التصدير البديلة وخطط التعافي مبالغاً فيها في أوقات السلم، لكنها تبدو في زمن الحرب شكلاً من أشكال الإدارة الحكيمة لشؤون الدولة.
لهذا ينبغي إعادة النظر في قصة "نيوم". فإعادة ترتيب الأولويات ومراحل التنفيذ، مع توجيه مزيد من الاهتمام إلى الأصول الصناعية واللوجستية، ليست مجرد تصحيح لمسار مشروع واحد، بل تعكس قدرة متنامية على الحسم في صناعة السياسات السعودية. فالدولة المستعدة لمواجهة الأسئلة الصعبة بشأن ما يمكن بناؤه، ومتى ينبغي بناؤه، وبأي ترتيب، تكون أقل عرضة للشلل عندما تتدهور الظروف.
دروس من تجارب الصين وكاليفورنيا
تقدم الصين مقارنة تحذيرية في هذا السياق. فنموذجها التنموي اللامركزي شجّع المسؤولين المحليين على التوسع في البناء سعياً وراء النمو الاقتصادي، وكانت النتيجة استثمار تريليونات الدولارات في بنية تحتية محدودة الاستخدام، ومشاريع عمرانية خالية، وطاقة صناعية مفرطة.
كانت السعودية معرّضة للتحرك في اتجاه مشابه، لكنها بادرت إلى مراجعة المسار في مرحلة أبكر بكثير، وأعادت تقييم أولوياتها قبل أن تترسخ التزامات يصعب تعديلها لاحقاً.
ويقدم مشروع القطار فائق السرعة في كاليفورنيا مثالاً تحذيرياً آخر. فعندما طُرح المشروع على الناخبين في البداية، قُدّرت تكلفة شبكة القطارات المزمعة بين سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس بنحو 33 مليار دولار. أما اليوم فتُقدّر تكلفتها بنحو 126 مليار دولار وفق تصميم معدّل ومبسّط، وقد تصل إلى 231 مليار دولار من دون إجراءات خفض التكلفة المقترحة.
ورغم سنوات الإنفاق وأعمال الإنشاءات المدنية الواسعة، لم يضع المشروع بعد أول مقطع من مساره الحديدي فائق السرعة. وتؤكد هذه المقارنة أهمية إعادة تقييم المشاريع الطموحة في وقت مبكر: فقد يجلب تغيير المسار الانتقادات، لكن تأجيل القرارات الصعبة قد يسمح بتراكم التكاليف والالتزامات المؤسسية إلى أن يصبح التعديل أكثر تكلفة بمراحل.
لا يزال التحول السعودي غير مكتمل، وما زالت هناك أمور كثيرة يمكن أن تسير في الاتجاه الخطأ. لكن بلداً يستطيع إعادة تحديد نطاق "نيوم" قبل أن تتصاعد تكاليفه على نحو يقيّد الخيارات المتاحة، وإعادة توجيه صادرات النفط الخام عند إغلاق هرمز، والاحتفاظ بقدرته على إمداد عملائه عند تهديد باب المندب، وتحويل جدة إلى شريان إمداد للخليج، ومواصلة عملياته بعد التعرض لهجوم، إنما يثبت امتلاكه شيئاً أكثر قيمة من الخيال المستقبلي: القدرة على إدراك تحولات الواقع والتصرف على أساسها. وفي الشرق الأوسط اليوم، قد يكون ذلك أهم من أي تصميم مبهر.
مصرفي سابق، أسس شركة رسملة للاستثمار، وتولى رئاسة اللجنة التنفيذية في البنك السعودي الهولندي.
"الشرق بلومبرغ"
تم نشر هذا المقال في Arab News
