الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 11 يونيو 2026 | 25 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

السعودية والجيواقتصادية الإقليمية

علي البلاونة
الاثنين 25 مايو 2026 14:4 |3 دقائق قراءة

 في خضم عالم تتشابك فيه خيوط الاقتصاد والأمن والجغرافيا، تقف السعودية في قلب منظومة جيواقتصادية إقليمية بالغة التعقيد. فمن البحر الأحمر إلى الخليج العربي، ومن القرن الإفريقي إلى بلاد الشام، تنسج الرياض إستراتيجيةً متكاملة تجمع بين الثقل الاقتصادي والحضور الدبلوماسي والاهتمام المتنامي بصون الاستقرار الإقليمي بوصفه شرطًا لازمًا للتنمية المستدامة.

تحتل السعودية موقعًا جغرافيًا استثنائيًا يجعلها جسرًا حقيقيًا بين 3  قارات، فهي تُشرف على البحر الأحمر الذي يمتد نحو 2250 كيلومترًا من قناة السويس حتى مضيق باب المندب، بساحل سعودي يتجاوز 1800 كيلومتر. وعبر هذا الممر الحيوي يمر ما يقارب 12% من حجم التجارة العالمية، فيما تستوعب قناة السويس وحدها نحو 30% من حركة الحاويات البحرية العالمية.

وتُدرك الرياض أن هذا الموقع ليس ميزةً جغرافيةً مجردة، بل هو ورقة جيواقتصادية ينبغي توظيفها في خدمة مشروعها التنموي الكبير، إذ إن أي تحويل لمسار السفن نحو رأس الرجاء الصالح يُضيف ما بين 10 و14 يومًا إلى رحلات الشحن بين آسيا وأوروبا، ما يعني خسائر باهظة تطول الاقتصاد العالمي برمّته وتنعكس مباشرةً على قدرة المملكة في تصدير نفطها وتوسيع حضورها الاقتصادي.

تنطلق الإستراتيجية السعودية من قناعة راسخة مفادها أن الاستقرار الإقليمي ليس مجرد هدف سياسي، بل هو الأساس الذي يقوم عليه الازدهار الاقتصادي. وتجلّى هذا التوجه بوضوح في الدور المحوري الذي اضطلعت به السعودية في رعاية اتفاق السلام الإثيوبي - الإريتري 2018، إدراكًا منها بأن الاستقرار في القرن الإفريقي يصبّ مباشرةً في خدمة الأمن البحري السعودي، وكذلك دعم سيادة واستقرار السودان.

 ومما يبرز أهمية هذه المنطقة أن عدد سكان منطقة البحر الأحمر الأوسع يُتوقع أن يبلغ نحو 1.3 مليار نسمة بحلول  2050، وهو ما يعني سوقًا هائلة وكتلةً بشريةً لا يمكن تجاهلها في أي حسابات إستراتيجية.

ولا يمكن الحديث عن الجيواقتصادية السعودية دون الإشارة إلى التحدي الذي يفرضه الحوثيون في اليمن منذ  2015. فهجماتهم المتواصلة على الملاحة التجارية في البحر الأحمر تُمثّل تهديدًا مباشرًا لحرية الممرات وسيادة القرار الدولي عليها، وقد دفعت شركات الشحن العالمية فعليًا إلى تحويل مسار مئات السفن عبر رأس الرجاء الصالح، محمّلةً الاقتصاد العالمي تكاليف إضافية تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا.

وتُوفر رؤية 2030 الإطارَ الأشمل لفهم هذه الجيواقتصادية؛ إذ تستهدف السعوديةة رفع الناتج المحلي غير النفطي إلى أكثر من تريليون ريال، وزيادة صادراتها غير النفطية من 16% إلى 50% من إجمالي الصادرات، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مركز لوجستي وتجاري عالمي عبر مشاريع عملاقة كنيوم والممر الاقتصادي الرابط بين السعودية والعراق والأردن، فضلًا عن استثمارات ضخمة في تطوير موانئ جدة والدمام وينبع.

كما تُدرك الرياض أن نحو 40% من تجارة الاتحاد الأوروبي مع آسيا تعبر عبر قناة السويس، ما يجعل المصالح الأوروبية والسعودية متوافقتين تمامًا في ضرورة صون هذا الممر وحمايته.

تتموضع السعودية اليوم في المشهد الجيواقتصادي الإقليمي بوصفها قوةً بنّاءة تُراهن على الاقتصاد والدبلوماسية وصون الاستقرار ركائزَ لمكانة إقليمية راسخة. وفي عالم تتصاعد فيه حدة التنافسات الكبرى بين واشنطن وبكين على امتداد هذا الممر الحيوي، تبدو الرياض مُدركةً تمام الإدراك أن الأمن الإقليمي والرخاء الاقتصادي وجهان لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، وأن الفوضى في الممرات الحيوية لا تُميّز بين أصدقاء وخصوم.

مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة وعمل مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية ومستشارا إعلاميًا

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية