مؤتمر الابتكار في استدامة المياه 2025 (IDWS) في جدة لا يقتصر على الابتكار المائي بمعزل عن سياقه، بل يدمج – بصورة إستراتيجية – مرونة قطاع المياه ضمن الإطار الاقتصادي العالمي، ويُشكِّل هذا الدمج تميزاً جوهرياً للمستثمرين وصناع السياسات الحكومية على حد سواء، إذ تستفيد السعودية من قوتها الاقتصادية وثقة الأسواق العالمية فيها لتسليط الضوء على واحدة من أكثر الفجوات أهمية على مستوى العالم.
إن الأطروحة المركزية التي أثارها معالي رئيس الهيئة السعودية للمياه في كلمته الافتتاحية للمؤتمر تسلط الضوء على مفارقة اقتصادية بالغة الدقة لا يمكن تجاهلها اقتصادياً، ففي الوقت الذي تُقدر فيه القيمة الاقتصادية السنوية للمياه العذبة والنظم الإيكولوجية المرتبطة بها بـ 58 تريليون دولار سنوياً – أي نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي – فإن الابتكار في قطاع المياه لا يحصل إلا على أقل من 1% من إجمالي الاستثمارات في التقنيات البيئية والمناخية عالمياً.
يمثل التباين فرصة اقتصادية هائلة لجميع حكومات العالم، والسعودية تسعى لتحقيق أقصى استفادة منه عبر تحويل المخاطر إلى أصل استثماري جاذب لرؤوس الأموال، من خلال الابتكار المائي، وابتكار نماذج الأعمال والتمويل والسياسات، وهو ما كان من أبرز ما جاء في كلمة الافتتاح لهذا المؤتمر كرسالة عالمية واضحة.
الهدف السعودي هنا ليس مجرد سد الفجوة، بل تغيير طبيعة السلعة اقتصادياً بشكل جذري، فالمياه لم تعد مورداً خاماً فحسب، بل تحولت إلى سلعة إستراتيجية مُعاد تدويرها مُحسَّنة تكنولوجياً.
السعودية تراهن على قوتها الاقتصادية ومكانتها كمعيار عالمي جديد؛ بصفتها أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم وصاحبة أكبر محفظة استثمارية مائية عالمية.
كانت التحلية تاريخياً مرادفة لـ "الاستهلاك الهائل للطاقة"، لكن نجاح السعودية في خفض التكاليف بشكل جذري عبر الابتكار منحها المصداقية والريادة لتصبح مصدراً عالمياً للحلول المستدامة.
اليوم السعودية تتبنى منطقاً مختلفاً تماماً، إذ تحول الابتكار إلى ضمانة رأسمالية فعلية، وتحول تحدي التكلفة إلى ميزة تنافسية. وهذا بالضبط ما يجذب المستثمرين المؤسسيين الباحثين عن عوائد نقدية مستدامة وطويلة الأجل، محمية من تقلبات الدورات الاقتصادية العالمية.
وبفضل النماذج المبتكرة المنتشرة في قطاع المياه السعودي، تحول السعودية مخاطر التشغيل إلى أرباح اقتصادية مضمونة؛ فلا الحكومة ولا المستثمر يدفعان بعد اليوم لمجرد "إدارة المشكلة" بل يحصلان معاً على عوائد مباشرة من كل ميجاوات من الطاقة أو كل متر مكعب من المياه يتم توفيره.
لم نعد نصدر النفط فقط، بل نصدر الحلول المائية والابتكار نفسه، ومؤتمر IDWS يؤهِّل السعودية لتصبح مصدراً عالمياً وملهماً لأفضل الممارسات والتقنيات المائية، فنكسب قوة ناعمة ونفوذاً اقتصادياً، إضافة إلى تطوير الابتكار المائي والخبرات الهندسية والخدمات الاستشارية، و"واحة المياه" في رابغ - أكبر مركز ابتكار للمياه في العالم بمساحة تزيد على 33 ألف متر مربع - دليل حيّ على هذا التحول.
ختاماً: كلمة رئيس الهيئة السعودية للمياه في مؤتمر الابتكار في استدامة المياه 2025 (IDWS) تمثل نقطة تحول إستراتيجية حقيقية، تستفيد السعودية اليوم من قوتها الاقتصادية وثقة العالم بها لتصحيح الاختلال التاريخي في تخصيص رأس المال تجاه قطاع المياه عالمياً؛ والرهان الأكبر ليس فقط في قدرتها على تحفيز عقول العالم للابتكار، بل في قدرتها على إعادة تعريف أصول المياه نفسها وتحويلها إلى فئة استثمارية رئيسية جذابة ومستدامة؛ بهذا تضع السعودية نفسها في صدارة قيادة تغيير هيكلي تاريخي في اقتصاديات المياه العالمية.
مستشار اقتصادي متخصص في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال
