الاستفادة الكاملة من القوى العاملة ضرورة لبناء مجتمع أكثر شمولاً وتحسين مستويات المعيشة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان. ورغم الإنجازات التعليمية المذهلة التي أحرزتها المرأة، فإن نحو 20% فقط من النساء في سن العمل يشاركن في القوى العاملة.
لك أن تتخيل مدى الإمكانات والطاقات التي يمكن الاستفادة منها إذا تم سد هذه الفجوة! تشير تقارير البنك الدولي إلى أن سد الفجوات في التوظيف بين الجنسين يمكن أن يؤدي إلى رفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بنحو 50% على المدى الطويل في الاقتصاد النموذجي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذا التحوّل الجذري لا يغير قواعد اللعبة بالنسبة للمرأة فحسب، بل لمجتمعاتنا واقتصاداتنا بأسرها.
هناك عديد من العوائق التي تحول دون التشغيل وإيجاد فرص العمل، بدءاً من نقص خدمات رعاية الأطفال أو وسائل النقل المناسبة، وصولاً إلى عوامل سياقية مثل القوانين غير المتكافئة. والشاهد أن اعتماد إستراتيجية شاملة لمعالجة هذه العوائق يؤدي إلى تحسين نواتج التشغيل. وفي هذا الشأن تُعتبر السعودية مثالاً إيجابياً، حيث ارتفعت مشاركة النساء في القوى العاملة من 17.4% في 2017 إلى 36.3% في 2025، بعد إجراء إصلاحات قانونية كبرى، وتنفيذ برامج جديدة لزيادة تشغيل النساء، وحملات تواصل وتوعية فعّالة، وإجراء تغييرات هيكلية في الاقتصاد. ودعونا نتوقف لحظة لنركز بصورة محددة على سبب أهمية تعزيز الحقوق القانونية للمرأة الآن أكثر من أي وقت مضى. فمحور تركيز اليوم العالمي للمرأة هذا العام هو "الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات" وذلك بناء على ما حددته وأقرته الأمم المتحدة. أما من جانبنا، فقد أصدرت مجموعة البنك الدولي أحدث نسخة من تقرير "المرأة وأنشطة الأعمال والقانون".
يتضمن أحدث تقرير أصدرناه عن أحدث المستجدات الاقتصادية في المنطقة بيانات توضح كيف يمكن للبلدان اتخاذ نهج شامل للتغلب على الحواجز التي تحد من مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي علماً بأن هذه الحواجز يدعم بعضها بعضا. هذا التقرير تناول بالفحص الدقيق كيف تؤثر القوانين والسياسات والممارسات في الفرص الاقتصادية للمرأة في مختلف أنحاء العالم. أما النتائج التي تم التوصل إليها فكانت واضحة: من المرجح أن تنضم النساء إلى القوى العاملة في البلدان التي تتمتع بالحماية القانونية الأقوى.اللافت أن منطقتنا سجلت درجة متدنية للغاية في الأطر القانونية بلغت 43 في المتوسط لبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و47 لباكستان، و5 لأفغانستان، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 67، لكن مع ذلك هناك اتجاهات إيجابية حيث تمضي المنطقة قدماً في تنفيذ عديد من الإصلاحات. ويسلط التقرير الضوء على أن مصر وسلطنة عُمان والأردن حققت أداءً متميزاً على هذا الصعيد باعتبارها ثلاثة من البلدان الستة التي حققت أكبر قدر من التقدم في العالم في هذا الشأن.
جدير بالاعتبار أن مصر ألغت القيود المفروضة على العمل وساعات العمل الليلي للنساء، وفرضت المساواة في الأجور، وزادت إجازة الوضع والأمومة مدفوعة الأجر، واستحدثت عطلة أبوة مدفوعة الأجر، وسمحت بمرونة في العمل. أما سلطنة عُمان فقد ألزمت الحكومة بدفع مقابل إجازة الوضع والأمومة، فضلاً عن تحسين مزايا الإرث وحسابات معاشات التقاعد للنساء المستفيدات.
وحدد الأردن حصة (كوتة) نسبتها 20% للنساء في مجالس إدارة الشركات، وأتاح العمل المرن لهن، ووفر الحماية للعاملات الحوامل من الفصل. وتظهر هذه الخطوات الإيجابية أن هناك تغييراً جوهرياً هادفاً يجري على قدم وساق في جميع أنحاء المنطقة.
ومع ذلك، وكما يشير تقرير المرأة وأنشطة الأعمال والقانون، فإن القوانين القوية ليست سوى جزء من الحل لأن التقدم الحقيقي يتوقف على تنفيذها على أرض الواقع. ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا تزال هناك فجوة كبيرة في المساواة القانونية بين النصوص القانونية المدونة وما يحدث على أرض الواقع، حيث لا تسجل الأطر الداعمة سوى 36 درجة مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 47.
هذا وتساند مجموعة البنك الدولي البلدان المتعاملة معها في دفع أجندة الإصلاح الخاصة بها وتنفيذها. فنحن، على سبيل المثال، نتعاون منذ وقت طويل مع الحكومة الأردنية من خلال برامج ومشاريع وعمليات دعماً للإصلاحات التدريجية والسلسة القائمة على الأدلة والشواهد لإزالة القيود المفروضة على عمل المرأة باستخدام ما لدينا من أدوات تحليلية وعملية تدعم العمل على أرض الواقع.
وكان أحد الأنشطة التي قمنا بها هو دعم الإصلاحات الخاصة بإصدار تراخيص دور رعاية الأطفال وبناء قدرات دور الحضانة ومقدمي الرعاية. وتمثل أحد التدابير الأخرى في مساندة ريادة الأعمال النسائية والشمول المالي من خلال منح وحوافز موجهة للقطاع الخاص، ولا سيما مؤسسات الأعمال والمشاريع والشركات التي تمتلكها وتقودها نساء.
غني عن البيان أن القطاع الخاص يؤدي دوراً بالغ الأهمية في تنفيذ الإصلاحات التي تستهدف تحقيق مزيد من العدل والمساواة والإنصاف في مكان العمل. واستناداً إلى الجدوى الاقتصادية والمبررات الوجيهة لتحسين ظروف العمل لشمول مزيد من النساء وجعلهن يشعرن أنهن جزء أصيل من منظومة العمل، تعمل مؤسسة التمويل الدولية مع شركات القطاع الخاص على زيادة فرص التوظيف والقيادة للنساء.
فعلى سبيل المثال، في إطار برنامج تمكين المرأة في المشرق، قامت مؤسسة التمويل الدولية ببناء قدرات 280 شركة كبرى لتوظيف مزيد من النساء واستبقائهن في العمل وترقيتهن من خلال منصات التعلم من النظراء في الأردن ولبنان. كما ساندت 20 شركة كبرى في أنحاء المشرق العربي لتطوير أدوات للتنوع وشمول المرأة واحتوائها في مجال الموارد البشرية، فضلاً عن دعم أرباب العمل وشركات القطاع الخاص لتقييم وتحديد مزيد من الدعم والمساندة لبرامج رعاية الأطفال، وقد استفاد من ذلك أكثر من 10 آلاف موظفة.
في نهاية مدونتي اسمحوا لي أن أختتم بملاحظة تتعلق بالسياق الراهن لمنطقتنا التي تشهد كثيرا من الصراعات. باختصار، التدابير القانونية والإجراءات على مستوى السياسات التي تعالج قضايا محددة مثل العنف ضد المرأة هي في الواقع أمر حيوي وغاية في الأهمية لسلامتها ورفاهيتها، ولا سيما في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات.
لذا، علينا أن ندرك كيف يؤثر الصراع والعنف في الرجال والنساء على نحو مختلف وبشكل مباشر وغير مباشر. إننا ملتزمون بدعم الإجراءات التي تحمي المرأة وتحول حقوقها المدونة في النصوص القانونية إلى واقع ملموس، لإطلاق الإمكانات الكاملة والكامنة لكل امرأة وفتاة. إنه السبيل إلى مستقبل أكثر شمولاً وازدهاراً للجميع.
نائب الرئيس، منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي
