الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قد تشتبه جهة رقابية في أن نظامًا للذكاء الاصطناعي ألحق ضررًا بأشخاص داخل حدودها، لكنها تكتشف أن البيانات التي دُرّب عليها، وسجلات اختباراته، والقرارات التقنية المرتبطة به، موجودة لدى شركة في دولة أخرى. تستطيع الجهة أن تحدد القاعدة القانونية واجبة التطبيق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تستطيع الحصول على الأدلة اللازمة لإثبات المخالفة أو تنفيذ قرارها. هنا تظهر واحدة من أصعب مشكلات حوكمة الذكاء الاصطناعي: الفجوة بين امتداد القانون وامتداد القدرة على إنفاذه.

في الثاني من نوفمبر، أعلنت منظمة اليونسكو توسع الشبكة العالمية لجهات الإشراف على الذكاء الاصطناعي إلى 42 جهة، بعد مرحلة ركزت على تبادل الخبرات وتطوير مهارات التدقيق. ولم يكن اللافت في الإعلان زيادة عدد الجهات وحدها، بل ما كشفته ورشة عملية سابقة عن ضرورة الانتقال من الحديث عن المخاطر إلى تحديد كيفية اختبارها، وما الأدلة المطلوبة للتحقق منها. إنها خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تجيب بمفردها عن السؤال الأصعب: ماذا تفعل جهة رقابية عندما تكون المعلومات الحاسمة خارج متناول سلطتها؟

يظهر هذا التحدي عند التمييز بين ثلاث وظائف كثيرًا ما تُعامل بوصفها أمرًا واحدًا: تحديد الاختصاص، وجمع الأدلة، والإنفاذ. فقد يسمح القانون الوطني أو الإقليمي بإخضاع أنشطة شركات أجنبية لقواعده إذا تحققت صلة محددة بسوقه أو بالأشخاص الموجودين فيه.

وهذا ما يتضح في المادة الثانية من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، التي تشمل حالات معينة لمطورين ومشغلين خارج الاتحاد عندما تُستخدم مخرجات النظام داخله. غير أن سريان القاعدة لا يزيل تلقائيًا العقبات أمام طلب سجلات محفوظة في الخارج، أو فحص نموذج تديره شركة أجنبية، أو حملها على الامتثال لقرار إداري.

وتزداد المسألة تعقيدًا لأن المخالفة المحتملة لا تظهر دائمًا في النتيجة النهائية وحدها. فإذا رفض نظام توظيف طلبات فئة من المتقدمين على نحو غير منصف، فقد يتطلب التحقيق فحص البيانات المستخدمة، ومعايير الاختبار، وطريقة مراجعة المخرجات، ومسؤوليات المطور والجهة التي شغّلت الأداة. فالأدلة التقنية ليست ملحقًا ثانويًا بالمحاسبة، بل شرطًا لإمكانها. ومن دون مسار قانوني للحصول عليها والتحقق من سلامتها، قد تتحول الشفافية إلى التزام واضح في النصوص، يصعب تطبيقه في الواقع.

وليس هذا الإشكال افتراضيًا بالكامل. ففي سبتمبر 2024، أعلنت هيئة حماية البيانات الهولندية فرض غرامة بقيمة 30.5 مليون يورو على شركة Clearview AI الأمريكية بسبب مخالفات تتعلق بجمع بيانات الوجوه ومعالجتها. وأشارت الهيئة إلى أن الشركة لا تملك مقرًا في أوروبا، وأن إجراءات سابقة من جهات أوروبية لم تدفعها، في تقدير الهيئة آنذاك، إلى تغيير سلوكها؛ لذلك بحثت وسائل إضافية لضمان وقف المخالفات.

 صحيح أن القضية تتعلق بقانون حماية البيانات، لا بجزاء بموجب قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، لكنها تكشف الفرق بين امتلاك أساس قانوني لاتخاذ قرار وبين القدرة العملية على تحقيق الامتثال عندما يكون الطرف المعني خارج الإقليم.

وقد يبدو الحل المباشر إنشاء سلطة رقابية عالمية، إلا أن هذا التصور يتجاهل عقبات لا تقل أهمية. فالتعاون في التحقيقات لا يجيز تجاوز سيادة الدول، ولا منح جهات أجنبية حق الاطلاع غير المقيد على البيانات الشخصية أو الأسرار التجارية أو الشيفرات الحساسة.

 كما أن اختلاف النظم القانونية لا يعني بالضرورة أنها ناقصة؛ فقد يعكس اختلافًا مشروعًا في الاختصاصات والضمانات وطرق حماية الحقوق. المطلوب إذن ليس توحيد جميع القوانين، بل تحديد ما يمكن للجهات الرقابية إنجازه معًا دون أن تتخلى عن مسؤولياتها الوطنية.

ومن هنا، ينبغي أن يتقدم التعاون الدولي خطوة تتجاوز المؤتمرات وتبادل المبادئ. يمكن البدء بمعايير مشتركة للحد الأدنى من الأدلة التي ينبغي الاحتفاظ بها بحسب مخاطر النظام، وقنوات قانونية واضحة لطلب المعلومات وتبادل نتائج التدقيق، ونقاط اتصال مختصة لتنسيق التحقيقات العابرة للحدود. ويجب أن تقترن هذه الآليات بضمانات للسرية وحماية البيانات وإمكان مراجعة الطلبات، مع وضوح الجهة التي تتولى تنفيذ القرار وكيف يصل المتضرر إلى وسيلة إنصاف فعلية. فنجاح التعاون لا يقاس بكثرة الجهات المتصلة بالشبكة، بل بما تستطيع إنجازه عندما تقع مخالفة حقيقية.

لقد قطع النقاش الدولي شوطًا في وضع المبادئ وكتابة القواعد، لكن الاختبار المقبل سيكون أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا: من يحتفظ بالسجلات؟ ومن يستطيع طلبها؟ ومن يراجع سلامتها؟ ومن يضمن تنفيذ القرار؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت حوكمة الذكاء الاصطناعي ستبقى التزامًا تنظيميًا معلنًا أم تتحول إلى حماية يمكن الاعتماد عليها. فالذكاء الاصطناعي يعبر الحدود بسهولة؛ أما المساءلة، فلا تزال تحتاج إلى طريق قانوني يعبرها.

مستشار في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية