كلايد راسل
سلط الصراع المتعلق بإيران الضوء على العالم الغامض نوعاً ما لتجارة الوقود المكرر، في وقت يواجه فيه العالم شحاً في الإمدادات وأسعاراً قياسية. غير أن الذكاء الاصطناعي قد يكون هو العامل الذي يخرج تجارة الديزل والبنزين وغيرها من المنتجات من دائرة الغموض إلى العلن بشكل نهائي. ففي حين أن ممارسات تجارة النفط الخام راسخة منذ عقود وتجذب طيفاً واسعاً من المشاركين في السوق، لا يمكن قول الشيء نفسه عن المنتجات المكررة.
لقد ظلت هذه الأسواق - ولا سيما في آسيا التي تُعد أكبر منطقة استهلاكية - حكراً إلى حد كبير على مجموعة صغيرة نسبياً من التجار الذين يمثلون المنتجين وشركات التكرير وشركات الشحن وكبرى شركات تجارة السلع مثل "ترافيجورا" (Trafigura) و"فيتول" (Vitol). لكن السوق قد تشهد تحولات بين الحين والآخر، وقد يوفر الذكاء الاصطناعي الأدوات اللازمة لإتاحة هذا القطاع - الذي لا يزال يتسم بالغموض - أمام قاعدة أوسع من المشاركين في عالم تجارة السلع.
تبدو الفكرة بسيطة: استخدام الذكاء الاصطناعي لتجميع جميع البيانات المتاحة، ودمجها مع خبرات التجار والمحللين المتخصصين، ومن ثم توليد أفكار تجارية مصممة خصيصاً لتناسب مستخدمين ومواقف محددة.
وتُعد شركة "سبارتا كوموديتيز" (Sparta Commodities) - ومقرها في جنيف - إحدى الشركات الرائدة في هذا المجال؛ إذ صنعت اسمها في البداية من خلال توفير بيانات مكنت التجار من تحديد فرص المتاجرة القائمة على فروق الأسعار (المراجحة) عند نقل الوقود من منطقة إلى أخرى. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أطلقت الشركة أداة "ليونيداس" (Leonidas AI) القائمة على الذكاء الاصطناعي، وهي أداة لدعم اتخاذ القرار تهدف إلى تسريع العملية التي يستخدم فيها التجار البيانات لاتخاذ قرارات التداول.
وتقوم الأداة بجمع جميع البيانات المتاحة من مصادر "سبارتا" الخاصة ومن مزودين آخرين، وتدمجها مع الأخبار وخبرات ما تصفه الشركة بـ "الوكيل المتخصص" لتقديم توصيات محددة.
وفي عرض توضيحي أُجري لمصلحة وكالة رويترز، طُرح على نظام "ليونيداس" سؤال حول تداعيات أي حظر محتمل لصادرات الديزل الأمريكية على الأسواق المختلفة. وبعد تحديد التحركات المحتملة للأسعار، طُلب من النظام تقديم توصيات تجارية.
وقد قدم النظام خمس صفقات مقترحة، مصنفةً حسب مستوى الثقة في جدواها. شملت التوصيات أيضاً أسواقاً متنوعة في بلدان مختلفة، بل وتضمنت حتى توصيات تتعلق بالشحن. واستغرقت هذه العملية برمتها بضع ثوانٍ فقط، في حين أن تحديد تحركات الأسعار المحتملة وأفضل السبل لتحقيق الربح منها كان يتطلب -حتى وقت قريب- وقتاً وجهداً من محللي التداول المهرة وذوي الخبرة.
وتعمل شركات منافسة في هذا المجال، مثل "Kpler" و"Windward"، بالفعل على طرح أو تطوير منتجات مماثلة. وتستخدم شركة "Kpler" -التي بدأت كخدمة لتتبع السفن- الذكاء الاصطناعي لتلخيص البيانات وتحويلها إلى ما تسميه "إستراتيجيات قابلة للتنفيذ" تأخذ في الحسبان عوامل مثل الجغرافيا السياسية. أما شركة "Windward" -وهي لاعب آخر في مجال التتبع- فتستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التاريخية وأنماط حركة السفن بهدف رصد الحالات الشاذة أو غير المعتادة، مثل عمليات النقل غير القانوني للشحنات بين السفن.
وقد تتمكن الآن جهات فاعلة -مثل صناديق التحوط التي كانت تعتقد سابقاً أنها تفتقر إلى المعرفة اللازمة لمنافسة كبار المتداولين الراسخين في سوق الوقود الغامضة- من الحصول على المعلومات الضرورية ومعالجتها بالسرعة نفسها.
مقاومة التغيير
هل هناك أي سلبيات أو نقاط ضعف في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتوجيه قرارات التداول؟
يتمثل أحد الأسئلة البديهية في احتمالية حصول الجميع على التوصيات نفسها، ما قد يؤدي إلى تكدس المتداولين في صفقات متشابهة للغاية، وبالتالي تلاشي فرص تحقيق الأرباح. ومع ذلك، فإن اختلاف أهداف المستخدمين وتطلعاتهم من شأنه أن يحد من هذه المخاطر. فعلى سبيل المثال، قد ترغب شركة تكرير في تثبيت سعر جزء من إنتاجها من الديزل والبنزين، بينما قد يفضل المتداول المخاطرة بانتظار ارتفاع الأسعار قبل استلام الشحنة فعلياً، سعياً لتحقيق الربح. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يتلقى كل من شركة التكرير والمتداول توصيات مختلفة من نظام الذكاء الاصطناعي، حتى وإن كانا يستخدمان النموذج ذاته. وثمة سؤال بديهي آخر يتعلق بمدى جودة هذه التوصيات، وهو أمر لن يتضح إلا بمرور الوقت.
كما قد تواجه هذه التقنيات معارضة من اللاعبين الراسخين في السوق الذين قد يقاومون دخول منافسين جدد؛ إذ يمكن لمتداول كبير محاولة التأثير في الأسعار من خلال سلسلة من الصفقات التي تهدف إلى دفع المتداولين الأصغر حجماً للوصول إلى وضع يضطرون فيه لتفعيل أوامر "وقف الخسارة". غير أن التاريخ يشير إلى أن الأطراف الفاعلة حالياً ستضطر بمرور الوقت إلى التكيف مع الظروف المتغيرة، سواء رغبت في ذلك أم لا. ومن الأمثلة على هذا النوع من التغيير: تتبع حركة السفن التي تنقل الشحنات الفعلية (السلع المادية) لحظة بلحظة.
لقد بدأت هذه الخدمات - التي تقدمها شركات مثل "فورتيكسا" (Vortexa) ومجموعة بورصة لندن (London Stock Exchange Group) - في الظهور قبل نحو 15 عاماً فقط، لكنها تحولت منذ ذلك الحين إلى أسماء بارزة ومعروفة، وحققت انتشاراً واسعاً بين المشاركين في أسواق السلع.
لا اعتراض على التغيير
خلال مؤتمر آسيا والمحيط الهادئ للبترول (APPEC) الذي عُقد في سنغافورة في وقت سابق من هذا الشهر، تمحور النقاش الرئيسي حول كيفية تسوية الأزمة المتعلقة بإيران واستعادة تدفق النفط الخام ومشتقاته من منطقة الشرق الأوسط. أما القضية الثانية التي نالت قسطاً وافراً من النقاش فكانت الذكاء الاصطناعي، حيث طُرحت تساؤلات حول كيفية توظيف الشركات لهذه التقنية، وما تنطوي عليه من مزايا ومخاطر.
من خلال عديد من المحادثات التي جرت في الفعالية، اتضح أن المسؤولين التنفيذيين في قطاع السلع يتوقعون أن يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً متزايد الأهمية في جمع البيانات وتحليلها، فضلاً عن العمليات التشغيلية مثل الشحن وإدارة المخزون. وتتلخص الفكرة العامة في أنه لا جدوى من مقاومة التغيير؛ بل من الأفضل أن تكون سبّاقاً في تبني التقنيات الجديدة ورائداً في هذا المجال.
وفي أفضل السيناريوهات، سيسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق تكافؤ الفرص في تداول السلع التي كانت حكراً -حتى الآن- على مجموعات صغيرة من المشاركين ذوي الخبرة. وعلى حد تعبير فيليبي إلينك شورمان، الرئيس التنفيذي لشركة "سبارتا" (Sparta)، فإن مكاتب التداول التي كانت تحقق الفوز سابقاً هي تلك التي تمتلك أكبر قدر من المعلومات، أما الفائزون الجدد فسيكونون أولئك القادرين على تحويل البيانات إلى قرارات تداول بأسرع وقت ممكن.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز ومختص في شؤون الطاقة

