الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

قد تنجح تجربة الذكاء الاصطناعي على الشاشة، ثم تتعثر حين تدخل إلى يوم العمل. ففي العرض التوضيحي تبدو المهمة واضحة، والبيانات جاهزة، والنتيجة مبهرة. أما داخل المؤسسة، فتبدأ الأسئلة الأصعب: كيف يرتبط الحل بالأنظمة القائمة؟ من سيتولى تشغيله؟ وما الذي سيتغير فعلًا في الخدمة أو التكلفة أو الإنتاجية؟

هذه المسافة بين نجاح التجربة ونجاح التطبيق استوقفتني في نقاشات منتدى "اقتصادنا والذكاء الاصطناعي"، الذي نظمته صحيفة الاقتصادية، وشاركت واحة الملك سلمان للعلوم كشريك داعم في مقر الواحة بالرياض. فقد جمعت المداخلات بين الطموح الكبير لهذه التقنية والتفاصيل التي تحكم استفادة المؤسسات منها؛ من الاستثمار والبيانات إلى نماذج الأعمال والمهارات والحوكمة.

ومن أكثر ما يستحق التوقف حديث أحد المشاركين عن إهدار ملايين الدولارات بسبب عدم اختبار احتياجات العملاء. اعتراف كهذا يضع الحماس للتكنولوجيا أمام اختبار ضروري: قد نبني حلًا متقدمًا لمشكلة لم نفهمها جيدًا، أو ننفق على منتج لا يحتاجه العميل بالصورة التي تخيلناها. ولذلك تكتسب التجربة قيمتها حين تختبر افتراضاتنا، حتى لو جاءت النتيجة مخالفة لتوقعاتنا.

وفي مداخلة أخرى، جاء التأكيد على دراسة الجدوى وتحديد تكلفة الوضع الحالي قبل اختيار الحل الذكي. وهي نقطة تبدو بديهية، لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف نعرف أننا تحسنّا إذا لم نكن نعرف بدقة من أين بدأنا؟ الحديث عن خفض التكلفة يحتاج إلى تكلفة معلومة، والحديث عن تحسين الخدمة يحتاج إلى معيار يلمسه المستفيد، وزيادة الإنتاجية تحتاج إلى أثر يتجاوز سرعة إنجاز مهمة منفردة.

ومع ذلك، فإن حصر الذكاء الاصطناعي في التوفير قد يحجب جانبًا مهمًا من قيمته. فقد تناولت النقاشات قدرته على فتح فرص للنمو وإعادة تشكيل نماذج الأعمال. وهنا يتسع السؤال من مقدار ما تستطيع المؤسسة اختصاره إلى ما تستطيع تقديمه للمرة الأولى: خدمة مختلفة، أو وصول أوسع، أو استجابة أدق لاحتياج لم تكن قادرة على تلبيته.

لكن الوصول إلى هذه القيمة يمر بعمل مؤسسي شاق. فالبيانات المتفرقة والأنظمة غير المترابطة والإجراءات التي لم تتغير قد تحدّ من أثر أكثر الأدوات تقدمًا. ولهذا كان الربط بين البنية التحتية والبيانات وإعادة تصميم العمل من المحاور المهمة في المنتدى. شراء التقنية قرار يمكن إنجازه سريعًا، أما بناء القدرة على الاستفادة منها فيحتاج إلى قيادة تعرف ما الذي تريد تغييره، وفريق يستطيع تحويل هذا التوجه إلى ممارسة يومية.

ويأتي سؤال الإنسان في قلب هذه العملية. فإذا تغيرت المهام، فما المهارات التي ينبغي تطويرها؟

وكيف يُعاد توزيع الوقت الذي توفره الأدوات؟ وما القرارات التي تستلزم حكمًا بشريًا ومسؤولية واضحة؟

في تقديري، لا تكتمل مناقشة الإنتاجية دون هذه الأسئلة، لأن قيمة الوقت المستعاد تتحدد بما نفعله به، وبما نتيحه للموظف من تعلم وأدوار أكثر قيمة.

كذلك، فإن الحوكمة والأخلاقيات ترتبطان بجودة التطبيق نفسه. فالمؤسسة تحتاج إلى معرفة حدود الأداة، وآلية مراجعة مخرجاتها، والمسؤول عن القرار عند الخطأ. وكلما اتسع الاستخدام، أصبحت الثقة شرطًا لاستمراره، وأصبحت الشفافية والسلامة جزءًا من حساب الجدوى.

أرى أن قيمة المنتدى ظهرت في جمع هذه المستويات ضمن حوار واحد: طموح اقتصادي، وتجارب أعمال، وأسئلة عن الإنسان والمسؤولية.

وهو حوار ينسجم مع رسالة الواحة في تقريب العلوم وتطبيقاتها من المجتمع، ويمنح النقاش عن المستقبل صلة مباشرة بقرارات الحاضر.

والسؤال الذي أظنه جديرًا بأن يصاحب كل مشروع جديد هو: إذا نجحت التجربة، فما الذي سيتغير في الواقع؟ عند الإجابة عنه تبدأ القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في الظهور.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية