الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 11 أبريل 2026 | 23 شَوَّال 1447
Logo

الذكاء الاصطناعي بين معضلة الطاقة والتمويل

دانية أركوبي
الخميس 9 أبريل 2026 12:22 |3 دقائق قراءة


دانية أركوبي

مع بداية 2026 ثارت حماسة غير مسبوقة للذكاء الاصطناعي لم يشهدها قطاع من قبل. أسواق تنفجر وتحقق مستويات قياسية، مستثمرون وصناديق سيادية يستعدون لضخ مليارات الدولارات لتمويل طموحات التوسع، حكومات تبنى إستراتيجيات للانخراط في التقنية، منشآت طاقة ومراكز بيانات تنتشر من شنغهاي إلى واشنطن ومن باريس إلى لندن.

ولكن سرعان ما بدأ هذا الزخم يفقد بريقه مع اندلاع الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وتأثر إمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار، وظهور بوادر لعقبات في التمويل مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتحويل الأموال لتغطية النفقات المفاجئة.

هذه الخوارزميات التي تعالج كميات هائلة من البيانات تعتمد على كميات هائلة من الطاقة لتشغيل مراكز البيانات، فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية استحوذت مراكز البيانات على 1.5% من استهلاك الكهرباء العالمية في 2024. هنا الحديث عن فترة شهدت بداية طفرة التقنية وليس مرحلة النضوج والانتشار. تأتي النسبة الكبرى من الكهرباء عن طريق محطات تعمل بالغاز الطبيعي أو النفط، وهنا المعضلة، فأسعار النفط اليوم عند مستويات مضاعفة مقارنة ببداية العام، أي صدمة في تكاليف التشغيل.

ولكن الأسوأ لم يأت بعد، ففي حالة استمرار تعطل الإمدادات، الحكومات ستتجه في وقت ما إلى تغطية طلب قطاعات ذات أولوية مثل المنازل والمصانع مقابل تقليص استهلاك مراكز البيانات العقل المشغل للذكاء الاصطناعي. في قلب الصراع أيضا تقف سلاسل الإمداد الحيوية مثل الرقائق المتقدمة، حيث تدفع الاضطرابات وتعطل الإمدادات وارتفاع التكاليف إلى ضغط على منشآت الإنتاج وبخاصة في آسيا، ما يظهر على مواعيد التسليم وحتى التكلفة.

في 2026 رصدت 4 شركات تكنولوجية أمريكية كبرى (ألفابت، أمازون، ميتا، مايكروسوفت) نحو 650 مليار دولار لتمويل خطط الذكاء الاصطناعي، لا تملك الشركات المذكورة وغيرها من الناشئة الفوائض والسيولة اللازمة للتمويل، ولكنها تعتمد على عاملين، الأول الاقتراض من أسواق السندات، والثاني الشراكات  الإستراتيجية مع مؤسسات استثمارية ضخمة مثل الصناديق السيادية.

بالنسبة إلى أسواق السندات، فإنها تعيش اضطراب بسبب مخاطر جيوسياسية ونقدية مع الاتجاه لرفع أسعار الفائدة، ما يعني تكاليف أعلى مقارنة بمستويات بداية العام، بجانب المنافسة الشديدة في الأسواق مع عودة الحكومات للاقتراض من جديد لتغطية احتياجاتها نتيجة صدمة الطاقة ودعم الاقتصاد. الأموال السيادية أيضا تعيد ترتيب أولوياتها في ظل الاضطرابات المرحلية، وتركيز صانعي السياسات على دعم الأسواق المحلية.

الضغوط المباشرة على قطاع الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة وحلفائها يشكل فرصة مهمة للصين لتعزيز حضورها في السباق. فنقص إمدادات الطاقة تستطيع الشركات الصينية تعويضه من خلال الاستفادة من البنية التحتية المتقدمة للطاقة النظيفة المتوسعة بفضل الاستثمارات الحكومية والخاصة. وفوائض الشركات ودعم الحكومة كافيان لتغطية فجوة التمويل في الأسواق، بما يمكنها من الاستمرار في تعزيز ونشر البنية التحتية وتمويل الإنفاق على البحث والتطوير واستقطاب الكفاءات.

على جانب آخر تقف السعودية في موقف مثالي للعب دور مهم في مستقبل القطاع. فالسعودية مركز حيوي لسلاسل إمداد الطاقة العالمية، والحديث هنا يشمل النفط والغاز الطبيعي حتى الطاقة النظيفة. البنية التحتية المتقدمة التي طورتها المملكة في السنوات الأخيرة تجعلها أيضا وجهة للاستثمارات الأجنبية من جميع الشركاء، مع الاستقرار الاقتصادي والمالي، والشراكات المربحة في الأسواق المحلية سواء عن طريق شركات الذكاء الاصطناعي مثل "هيومين" أو صندوق الاستثمارات العامة، وهو ما يمثل حل لمعضلة التمويل.

في الختام تعيد الجيوسياسة رسم خريطة الذكاء الاصطناعي عبر ضغط مزدوج على تدفقات رؤوس الأموال وسلاسل إمداد الطاقة. ويحتاج الوضع الجديد إلى إستراتيجية أكثر واقعية، فالزخم السابق لم يعد بالقدر نفسه، والمستثمرون في شك من القدرة على تحقيق الخطط الطموحة. ويحتاج القطاع إلى التركيز على تعزيز استقلالية مصادر الطاقة، عبر الاستثمار المباشر في محطات الطاقة النظيفة، بجانب بناء نماذج ربحية تعزز الإيرادات وتمول الطموحات وتقلل حدة المخاطر وتعيد ثقة الأسواق.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية