الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


سالي وينتورث

في شهرنا هذا، يجتمع قادة العالم في نيويورك لحضور الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة تحت شعار "استعادة الثقة، وإدارة التحول". وفي حين أن صعود الذكاء الاصطناعي سيكون حتما على رأس جدول أعمالهم، فإن إعادة بناء الثقة في التكنولوجيا تتطلب أيضا حماية الإنترنت المفتوح، الذي جعل قسما كبيرا من التقدم التكنولوجي الحالي ممكنا في المقام الأول.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن الثقة في التكنولوجيا آخذة في التراجع. إذ يشعر الناس على نحو متزايد أن التكنولوجيا تستخدمهم بدلا من أن تكون في خدمتهم. فَــتُستَخدَم بياناتهم الشخصية لتدريب نماذج لغوية ضخمة، وتتحمل مجتمعاتهم تكاليف إنشاء مراكز البيانات التي تستهلك الطاقة بكثافة، في حين يجلب كل يوم وابلا جديدا من عمليات الاحتيال والخداع عبر الإنترنت.

في الوقت ذاته، تتخذ أقوى شركات التكنولوجيا في العالم قرارات جسيمة العواقب، غالبا دون مساهمة تذكر من جانب الخبراء التقنيين وجماهير الناس. على سبيل المثال، يتشكل الذكاء الاصطناعي الرائد (Frontier AI) على يد قِـلة من الحكومات والشركات التي تسارع إلى ترسيخ هيمنتها. قد تُدعى مجموعات من الباحثين ومنظمات المجتمع المدني إلى إبداء الرأي، ولكن يظل من غير الواضح على الإطلاق كيف تؤخذ آراؤهم بالحسبان، أو حتى ما إذا كانت موضع نظر في الأساس.

بيد أن حماية المصلحة العامة لا يجب أن تأتي بالضرورة على حساب الإبداع. والإنترنت ذاتها دليل على ذلك، حيث يُظهِر نموذجها القائم على مشاركة أصحاب مصلحة متعددين كيفية إدارة تحول تكنولوجي عميق على النحو الذي يخدم المصلحة العامة في حين يخلق قيمة اقتصادية هائلة.

لم تُـبن شبكة الإنترنت من قبل أي حكومة أو شركة منفردة. بل نشأت من التعاون بين الحكومات، والشركات، والمجتمع المدني. وساعد هذا التعاون على إنشاء ودعم الركائز الأساسية التي تقوم عليها شبكة الإنترنت العالمية كما نعرفها اليوم: معايير تقنية مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني، وأنظمة آمنة، وبنية أساسية مرنة.

وتعد الشبكة العنكبوتية العالمية مثالا بارزا على ذلك. فقد جرى تطويرها في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN)، وبدأت كوسيلة يتبادل بها العلماء المعلومات بين المؤسسات. في عام 1993، أتاحت المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية برنامج الشبكة مجانا، متنازلة عن حقوق الملكية الفكرية حتى يتسنى لأي شخص استخدامه، وتعديله، وتوزيعه. ساعد هذا القرار على تحويل أداة صُممت للباحثين إلى قوة تستمر دون انقطاع في تحويل الاقتصادات والمجتمعات.

من هنا، نستطيع أن نستمد درسا مفيدا لعصر الذكاء الاصطناعي. تنتشر التكنولوجيات التحويلية وتتطور بسرعة أكبر عندما تكون البنية الأساسية التي تعتمد عليها مفتوحة، ويتسنى للناس في مختلف أنحاء العالم البناء عليها. يعود الفضل في كثير من التكنولوجيات التي سهلت صعود الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تلك التي جرى تطويرها في الأصل لجعل الوصول إلى الإنترنت أكثر سهولة واستنادا إلى المشاركة، إلى هذا التقليد من التعاون الذي يراعي المصلحة العامة عبر الحدود.

لهذا السبب، أمضت جمعية الإنترنت عشرات السنين من العمل مع أصحاب المصلحة على كل المستويات، من المجتمعات المحلية وصولا إلى الأمم المتحدة، للمساعدة على ضمان استمرار شبكة الإنترنت التي نعتمد عليها جميعا مفتوحة وقابلة للتشغيل البيني. ورغم أن هذا النهج لا يخلو من عيوب ــ حيث تتحرك الصناعة بسرعة، في حين قد تواجه عملية التوصل إلى الإجماع، التي تتسم بالبطء، صعوبة في مواكبة هذا التطور ــ فإن البديل المتمثل في التنازل عن صنع القرار لحفنة من الحكومات والشركات القوية أسوأ كثيرا.

للأسف، يبدو أن هذا هو الاتجاه الذي نسير نحوه. فمع تَـرَكُّـز الصناعة على نحو يضع السيطرة على الإنترنت في أيدي قِلة، يدفع التشرذم الجيوسياسي الحكومات إلى تقسيمها إلى أجزاء شتى. هذه التغييرات، بدورها، تهدد كل تكنولوجيا مبنية على الإنترنت، وخاصة الذكاء الاصطناعي.

والعواقب واضحة بالفعل. تعمل الحدائق الـمُسَوَّرة (الشبكات المغلقة) والشبكات الداخلية الوطنية على تقييد ما يستطيع الناس الوصول إليه، على النحو الذي يحول الشبكة العالمية إلى خليط من المساحات المحصورة، كما تهدد عمليات قطع الإنترنت بأمر من الحكومات بعزل الناس عن الحياة الاقتصادية والمدنية لأيام متتالية أو حتى لفترة أطول. ولا تزال مجتمعات عديدة عاجزة حتى عن الاتصال بالإنترنت بسبب نقص البنية الأساسية.

إن إعادة بناء الثقة في التكنولوجيا لن تتأتى بالاكتفاء بجعل الأنظمة الفردية أكثر أمانا أو جدارة بالثقة. يتعين علينا أيضا أن نعمل على حماية الأساس الذي تعتمد عليه هذه التكنولوجيات وضمان أن مستقبلها لن يتحدد وفقا لمصالح الشركات والحكومات. إن الإنترنت التي تظل مفتوحة ومتاحة قادرة على دعم اقتصاد رقمي مزدهر تتنقل فيه الأفكار والإبداع بحرية عبر الحدود، بما يمنح الناس في كل مكان القدرة على تطوير تكنولوجيات جديدة تخدم الصالح العام.

لقد أظهرت ولادة الإنترنت ما الذي قد يحدث عندما نتعامل مع تلك الشروط على الوجه الصحيح. فقد منح انفتاح الإنترنت أجيالا من المبدعين حرية التجريب وابتكار أشياء لم يكن بمقدور مصمميها أن يتخيلوها. ومع تسارع وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي، ينبغي لنا أن نتذكر أن هذا الانفتاح شرط أساسي للإبداع، وليس عائقا يحول دونه.

رئيسة جمعية الإنترنت ومؤسسة جمعية الإنترنت ومديرتهما التنفيذية.

خاص بـ " الاقتصادية"

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية