الأحد, 18 أكتوبر 2026|6 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة بعد أسابيع قليلة، يكشف صعود الدولار عن تناقض جوهري في الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب؛ إذ تفرز أسواق العملات نتائج معاكسة تماماً لما تسعى إليه إدارته.

يخضع السجل الاقتصادي لترمب خلال العامين الأولين من فترته الرئاسية لتدقيق مكثف، وتُظهر استطلاعات الرأي أن نسبة تأييد الناخبين لطريقة إدارته للاقتصاد بلغت أدنى مستوياتها تقريباً. وهذا يفسر إلى حد كبير سبب ترجيح أسواق المراهنات فقدان الحزب الجمهوري -الذي ينتمي إليه ترمب- سيطرته على مجلس النواب، وربما حتى مجلس الشيوخ، في انتخابات الثالث من نوفمبر.

ومع ذلك، إذا صحّت المقولة الشائعة في الأسواق بأن عملة أي دولة تعكس ثقة العالم في اقتصادها، فمن المفترض أن يدخل ترمب غمار الانتخابات المقبلة وهو في قمة الثقة؛ فالدولار يشهد صعوداً مطرداً، وقد بلغ أخيرا أقوى مستوياته منذ 18 شهراً مقابل العملات الرئيسية الأخرى.

لكن قوة الدولار وارتفاع قيمته هما آخر ما يرغب فيه ترمب؛ فسياسات إدارته الاقتصادية والتجارية تهدف إلى إحياء قطاع التصنيع الأمريكي، وتعزيز الصادرات الأمريكية، وتقليص العجز التجاري، وهي أهداف لا يخدمها بأي حال ارتفاع قيمة العملة.

في الاتجاه الخاطئ

قد يتوقع المرء أن يتعرض الدولار لضغوط، لا سيما وأن العجز التجاري الأمريكي لم ينكمش وفقاً لخطط الإدارة. فقد قفزت الواردات إلى مستويات قياسية، مدفوعةً في المقام الأول بإقبال الشركات الأمريكية على شراء الرقائق والمعدات والسلع اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري للبلاد. فبعد أن بلغ العجز 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي في وقت سابق من هذا العام -وهي واحدة من أدنى النسب المسجلة في هذا القرن- فإنه قد يتجه نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المقبل، وفقاً لما ذكره دين ماكي من صندوق التحوط "بوينت 72" (Point72).

لكن الدولار لا يظهر أي علامات على الضعف. حدث ذلك خلال العام الأول لترمب في المكتب البيضاوي، وسط مخاوف من "انخفاض قيمة الدولار" وانتشار عقلية "التخلص من الأصول الأمريكية" بين المستثمرين الأجانب، وهي عقلية غذّتها الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب؛ لكن هذا المسار انعكس لاحقاً.

لماذا؟ لأن أسعار الصرف نسبية، ويبدو الدولار الأمريكي حالياً -بالمقارنة مع العملات الأخرى- بمثابة "الخيار الأقل سوءاً". فبينما تعاني الولايات المتحدة من أزمات حادة تتعلق بالديون والعجز المالي، تواجه دول متقدمة أخرى -وعلى رأسها فرنسا- مشكلات مماثلة. ويخشى المستثمرون من أن باريس ليست مستعدة لاتخاذ تدابير صعبة سياسياً للسيطرة على ميزانيتها، مما دفعهم إلى التخلي عن اليورو.

وبالمثل، فإن المخاوف من أن تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى جعل خدمة الديون الضخمة في اليابان أمراً شبه مستحيل، أبقت الين الياباني عند مستويات قريبة من أدنى مستوياته التاريخية المسجلة أخيراً. باختصار، يتفوق الدولار ليس فقط بفضل تدفق رؤوس الأموال العالمية الساعية للاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، بل أيضاً بحكم الأمر الواقع (أي لعدم وجود بديل أفضل). وهذا ليس ما كان يطمح إليه البيت الأبيض.

من الواضح أن ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت يرغبان في دولار أضعف، رغم أن سياسة "الدولار القوي" -التي تبناها البيت الأبيض بشكل شبه رسمي لعقود، منذ عهد وزير الخزانة الأسبق روبرت روبين في تسعينيات القرن الماضي- تجعل من الصعب عليهما التصريح بذلك علانية.

وفي صدىً لوجهة نظر تبناها ترمب على مدى عقود، كتب ميران أن "الاستياء العميق من النظام الاقتصادي السائد يعود في جذوره إلى المبالغة المستمرة في تقدير قيمة الدولار وهو أمر يجعل الصادرات الأمريكية أقل قدرة على المنافسة، ويجعل الواردات أرخص، ويُلحق الضرر بقطاع التصنيع الأمريكي". وهو محق في ذلك؛ ففي وقت تنصيب ترمب في يناير من العام الماضي، كان سعر الصرف الفعلي الحقيقي للدولار في أقوى مستوياته منذ أكثر من 30 عاماً.

ويرى ميران أن النظامين التجاري والمالي العالميين يمكن إعادة صياغتهما بما يخدم مصلحة أمريكا، لكن المسار إلى ذلك "ضيق، ويتطلب تخطيطاً دقيقاً، وتنفيذاً محكماً، مع إيلاء اهتمام للخطوات الكفيلة بتقليل التبعات السلبية".

فقد أدت التعريفات الجمركية إلى رفع تكلفة السلع المستوردة، وفقاً لدراسة حديثة أجراها بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وأدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد إيران في فبراير إلى ارتفاع حاد في تكاليف الطاقة، ولا سيما وصول أسعار الديزل في محطات الوقود إلى مستويات قياسية. ونتيجة لذلك، لا يزال التضخم مرتفعاً، وبلغت عوائد السندات أعلى مستوياتها منذ ربع قرن، في حين تشهد الأجور الحقيقية تراجعاً في الوقت الراهن.

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري: هل سيمنح الجمهور الأمريكي إدارة ترامب المساحة الكافية لمحاولة تغيير مسار الدولار؟

وداعاً للنهج متعدد الأطراف

إن الجهود الرامية إلى كبح صعود الدولار ستكون بالغة الصعوبة، بعبارة ملطفة. فالتاريخ يشير إلى أن مواجهة هذا الوضع تتطلب تحركاً جماعياً منسقاً على مستوى العالم، وهو نهج يتناقض تماماً مع رؤية ترمب القائمة على مبدأ "أمريكا أولاً".

أما التحركات الفردية أو الثنائية -مثل التدخل الذي قامت به وزارة الخزانة الأمريكية أخيرا بالتعاون مع اليابان لدعم الين- فمن المرجح أن تكون محدودة الأثر ولا تؤدي إلى نتائج مستدامة.

ولا يمكن استبعاد حدوث تدخلات إضافية إذا ما استمر الدولار في تعزيز قوته.

وسيعتمد الكثير على وتيرة هذه التحركات وحجمها. فالتدخلات الرسمية لإضعاف الدولار مقابل العملات الرئيسية تعد أمراً نادراً؛ فقبل تدخل هذا العام لدعم الين، كانت المرة الأخيرة التي نسقت فيها السلطات الأمريكية واليابانية لبيع الدولار مقابل الين في 1998. كما سبق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) أن تدخل بالتعاون مع البنك المركزي الأوروبي وجهات أخرى لدعم اليورو، ولكن ذلك كان في أواخر 2000، بُعيد إطلاق العملة الأوروبية الموحدة.

منذ بدء حقبة أسعار الصرف المعومة في أوائل سبعينيات القرن الـ20، حين أنهى الرئيس ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار الأمريكي بالذهب، لم تشهد الساحة الدولية سوى محاولتين عالميتين حقيقيتين لفرض تغيير في القيمة العامة للدولار.

وقد حدثت كلتا المحاولتين في ثمانينيات القرن الماضي: "اتفاقية بلازا" عام 1985 التي استهدفت خفض قيمة الدولار -الذي كان قد بلغ مستويات مرتفعة للغاية- و"اتفاقية اللوفر" 1987 التي جاءت لتخفيف حدة آثار اتفاقية بلازا. لقد كانت تلك الاتفاقيات وليدة ظروف عصرها؛ فالدولار اليوم ليس بقوته التي كان عليها آنذاك، كما أن تلك الحقبة كانت تتسم بكون التعاون متعدد الأطراف نهجاً شائعاً ومقبولاً.

ومع اقتراب دخول البلاد العامين الأخيرين من "حقبة ترمب"، قد تعكس القوة النسبية للدولار الكثير حول مدى نجاحه في تنفيذ أجندته الاقتصادية منذ وصوله الأول إلى البيت الأبيض قبل نحو 10 سنوات.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية