الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 20 مايو 2026 | 3 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الدبلوماسية الناعمة .. تمكين مؤهلات السعودية وبناء نفوذ جديد

سارة العلقم
سارة العلقم
السبت 6 ديسمبر 2025 15:35 |3 دقائق قراءة


سارا العلقم

جاء قرار الاجتماع الوزاري الأربعين لتحالف أوبك بلس بالإبقاء على مستويات الإنتاج المنخفضة متوافقًا مع ما رصدته التقارير الدولية منذ 2024، حيث أكدت وكالة الطاقة الدولية ومنتدى الطاقة الدولي أن السوق تتجه نحو وفرة في الإمدادات نتيجة التوسع الكبير في إنتاج دول خارج التحالف، وعلى رأسها الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا وكندا. وخلال عامَي 2024 و2025، أصبحت هذه المؤشرات أكثر وضوحًا، ما جعل قرار التحالف استمرارًا طبيعيًا للنهج الانضباطي الذي بدأ في 2022، وليس تحولًا مفاجئًا في السياسة الإنتاجية.

ورغم الزخم الذي حققته بعض الدول الصاعدة، إلا أن قدرتها على الحفاظ على هذا المستوى من التوسع تظل موضع تساؤل. فالولايات المتحدة تعتمد على طفرة النفط الصخري ذات الدورات القصيرة، بينما تعتمد البرازيل وكندا على مشروعات مرتفعة التكلفة تحتاج لأسعار داعمة، في حين إن غيانا لم تختبر بعد دورات السوق. هذا يجعل الاستمرارية عنصرًا غير مضمون لديهم، مقابل قدرة واضحة للمملكة على ضخ الإمدادات بتكلفة منخفضة وموثوقية عالية.

ومن هنا ينتقل دور السعودية إلى مساحة أكثر تأثيرًا، حيث يمكن استخدام الدبلوماسية الناعمة كأداة لإعادة صياغة العلاقات مع المنتجين الجدد، بما يعزز استقرار السوق ويحد من التقلبات.

إعادة صياغة العلاقة مع المنتجين الجدد

تستطيع السعودية الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق تشكيل السلوك الإنتاجي. وتجربة بحر الشمال بين النرويج والمملكة المتحدة في الثمانينيات تقدم مثالًا واضحًا على أن الإشارات السياسية الهادئة يمكن أن تضبط الإمدادات دون اتفاقيات ملزمة. وهذا النمط قابل للتكرار في المرحلة الحالية مع المنتجين الجدد.

الاستثمار كأداة تأثير

أثبتت التجارب الدولية مثل شراكات الصين في أنجولا أو حضور اليابان في مشاريع الغاز القطري أن الاستثمار يعيد تشكيل هيكلة الإنتاج. وبالتالي فإن دخول الاستثمارات السعودية في البرازيل أو غيانا يمكن أن يربط هذه الدول بمنظومة استقرار السوق بدل تركها تتحرك خارج أي إطار.

قنوات تنسيق مرنة خارج أوبك بلس

التنسيق لا يحتاج عضوية. تمتلك السعودية القدرة على إنشاء آليات تشاور فنية أو اجتماعات دورية مع الدول الصاعدة، كما تفعل أوروبا مع النرويج أو مجموعة السبع فيما بينها. هذه القنوات وحدها قد تغيّر سلوك الإنتاج بشكل ملموس.

تسويق التقنية السعودية كنفوذ ناعم

يواجه المنتجون الجدد تحديات مثل إدارة المياه، التحكم في الانبعاثات، ورفع كفاءة الاستخلاص. وهنا تمتلك المملكة قدرات متفوقة عبر أرامكو ومراكز التقنية، ما يجعل حلولها الفنية عنصرًا يزيد من تأثيرها غير المباشر في سلوك الإنتاج لدى الآخرين.

اتفاقيات شراء طويلة الأمد

كما غيرت العقود الطويلة أسواق الغاز بين اليابان وقطر، تستطيع المملكة استخدام هذا الأسلوب مع المنتجين الجدد. ربط جزء من صادراتهم باتفاقيات طويلة مع المملكة يدمجهم في منظومة أكثر استقرارًا ويخفف من أثر تدفقات الإنتاج المرتفعة.

بناء شبكة أصدقاء للسعودية عبر التعليم والتدريب

برامج المعاهد العالمية في آسيا، وكذلك البرامج النووية الفنلندية التي أعادت تشكيل نخبة القطاع في روسيا، أثبتت أن بناء شبكات تعليمية متخصصة يخلق نفوذًا طويل المدى ويتحول إلى رصيد إستراتيجي للدول. ويمكن للمملكة أن تطوّر مسارًا مشابهًا يصنع جيلًا من قادة الطاقة المرتبطين بمنظومتها الفكرية والتقنية، بما يعزز حضورها وتأثيرها في قرارات هذه الدول لسنوات طويلة.

تعزيز صورة المملكة باعتبارها عقل السوق

تتشكل اليوم صورة السعودية بوصفها المرجع الأكثر اتزانًا في سوق النفط، ويمثل دورها ما يشبه دور البنك المركزي في الاقتصاد العالمي مرجع يُحتكم إليه عند الاشتباه أو الاضطراب أو الحاجة إلى قراءة دقيقة للمشهد.

وهذه المكانة لم تأتِ صدفة، بل نتيجة مباشرة لقيادة الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، الذي أعاد تعريف دور السعودية في إدارة السوق من خلال مزيج فريد من الخبرة الفنية العميقة الممتدة لسنوات في قراءة الإمدادات ودورات الطلب، والرؤية الإستراتيجية التي تربط بين استقرار السوق وحماية مصالح الاقتصاد العالمي، والقدرة الفائقة على التواصل مع المنتجين والمستثمرين وصنّاع القرار بلغة تجمع بين العقلانية والصرامة الهادئة، وبناء مساحات مشتركة تجعل الاستقرار خيارًا جذابًا حتى للدول غير المنسّقة مع التحالف.

لقد أصبح تأثيره يتجاوز حدود التحالف، فهو اليوم أحد أبرز الأصوات العالمية التي يُصغي لها المنتجون والمستهلكون على حد سواء. وتحت قيادته لم تعد المملكة فقط تحافظ على التوازن، بل أصبحت هي من يعيد ضبط إيقاع السوق عندما يختل، ويرفع تكلفة أي سلوك غير منسجم مع الاستقرار. هذا “الذكاء القيادي” هو جوهر الدبلوماسية الناعمة، تأثير بلا صدام، وضبط بلا فرض، ورسائل واضحة تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة للجميع.

مهندسة بترول وباحثة في اقتصادات الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية