عبد الرحمن النمري
في رأيي، لا يمكن قراءة مشهد الطاقة العالمي اليوم بمعزل عن الخليج العربي، هذا الشريان الحيوي الذي يضخ الاستقرار أو الاضطراب في شرايين الاقتصاد الدولي. مع تصاعد التوترات الأمنية بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة الحشد العسكري الأمريكي إلى الواجهة في مياه الخليج وبحر العرب، تعود الأسئلة القديمة بثوب جديد: هل إمدادات النفط العالمية في مأمن؟ أم أننا نقف على حافة اختبار إستراتيجي جديد وخطير؟
الجدير بالذكر أن الخليج العربي ليس مجرد منطقة منتجة للطاقة، بل يمثل القلب النابض لسوق النفط العالمية، حيث تشير التقديرات إلى أن دول الخليج تنتج ما يقارب 30% من إجمالي النفط العالمي، وتملك أكثر من 48% من الاحتياطيات المؤكدة. الأهم من ذلك أن ما يزيد على 20 مليون برميل نفط يوميا، أي نحو ثلث التجارة النفطية المنقولة عبر البحر عالميا يمر عبر مضيق هرمز وحده. هذه الأرقام كافية لتوضيح حجم المخاطر في حال تعرض هذا الممر الحيوي لأي اضطراب، ولو كان محدودا وضمن نطاق زمني قصير.
التوتر الأمريكي الإيراني ليس جديدا، لكنه في دورته الحالية في رأيي أكثر حساسية، فالحشد العسكري الأمريكي، وزيادة انتشار القطع البحرية، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي في المنطقة، كلها رسائل ردع واضحة، لكنها في الوقت ذاته تظهر قلقا عميقا من سيناريوهات التصعيد.
إيران، من جانبها، تدرك جيدا في اعتقادي أن ورقة مضيق هرمز تمثل عنصر ضغط إستراتيجي، حتى وإن لم تُستخدم فعليا وأستبعد ذلك. مجرد التهديد كفيل برفع علاوة المخاطر في الأسواق، وهو ما شهدناه مرارا في قفزات أسعار النفط بنسبة تراوحت بين 5% و15% خلال فترات التوتر الحاد.
أرى أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في احتمال انقطاع الإمدادات، بل في تأثير ذلك في االاقتصاد العالمي الهش أصلا، ووكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن أي توقف مفاجئ يتجاوز 2–3 ملايين برميل يوميا قد يدفع الأسعار إلى مستويات تفوق 120 دولارا للبرميل، مع انعكاسات تضخمية مباشرة على سلاسل الإمداد، والنقل، والغذاء. وهذا يفسر لماذا تعتبر القوى الكبرى أمن الخليج العربي مسألة تتجاوز السياسة إلى صميم الأمن الاقتصادي العالميين.
رغم كل ذلك، يظل الخليج، وعلى رأسه السعودية لاعب الاستقرار الأهم، فالقدرة الاحتياطية التي تمتلكها السعودية، والتي تُقدر نحو 2–3 ملايين برميل يوميا، تمثل صمام أمان حقيقي للأسواق. كما أن البنية التحتية المتقدمة، وخطوط الأنابيب البديلة، والاستثمارات الضخمة في أمن المنشآت والممرات البحرية، كلها عوامل تقلل من احتمالات السيناريو الأسوأ.
في المحصلة، سلامة إمدادات النفط في الخليج العربي ليست قضية إقليمية، بل معادلة عالمية معقدة. وبين التوترات العسكرية والحسابات السياسية، يبقى الرهان الحقيقي على الحكمة الإستراتيجية،وضبط إيقاع التصعيد، والحفاظ على هذا الشريان الحيوي مفتوحا يتدفق بسلام، لأن تكلفـة تعطّله لا يتحملها طرف واحد، بل يدفع ثمنها العالم بأسره!
مختص في شؤون الطاقة
