لا شيء يمكن أن يخفف المخاطر التجارية على الصين في الوقت الراهن، سوى التحرك نحو خفض اعتماد اقتصاد البلاد على الولايات المتحدة، ولا سيما بعد أن، صعدت الأخيرة حرباً تجارية ضد بكين، كانت موجودة بالفعل، ولكن بوتيرة أقل عنفاً. الهدوء الراهن بين أكبر اقتصادين في العالم، لا يعود إلى اتفاقات مستدامة بالطبع، بل إلى هدنة قبلها الطرفان، بعد أشهر من الأخذ، والرد، والتهديد، والوعيد، والتصعيد. من الواضح أن الوضع سيستمر بالصيغة الحالية، خصوصاً مع تمسك الجانب الأمريكي برؤيته للعلاقات التجارية الدولية عموماً.
هذه الرؤية لم تستثني أحداً حول العالم، بما في ذلك الحلفاء التقليديون لواشنطن، الذين اتخذوا بالفعل تدابير تخفف وطأة التعريفات الجمركية الأمريكية العالية.
الصين أعلنت رسمياً، الانكباب على مراجعة شاملة للتجارة مع الطرف الأمريكي، وتحاول بأسرع ما يمكنها، التقليل من الاعتماد على هذا الطرف في قطاعات مختلفة، كالتجارة الرقمية، وقوانين الملكية الفكرية، والتجارة الخضراء التي تشهد نمواً كبيراً منذ سنوات. التعديلات التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الربع الأول من 2026، ستوفر وفق رؤية المسؤولين في بكين، قوة كبيرة في حال استمر التوتر التجاري مع واشنطن، بل هناك مع يعتقد، بأنها ستكون محورية في حال قررت الصين شن حرب تجارية معاكسة.
معنى آخر، يريد هذا البلد، أن يكون مستعداً لكل الاحتمالات. فحتى اليوم، يقوم الصينيون بردود فعل فقط على الخطوات الأمريكية، وبالطريقة نفسها تقريباً في الخلافات الموجودة أيضاً مع الأوروبيين.
الخطوة الأولى في التوجه الصيني الجديد، مواصلة تقنين أو تشديد صادرات المعادن، التي تلقى طلباً لا يتراجع على الساحة العالمية، ولا سيما الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من السلع، تشكل بالفعل أهمية للغرب عموماً. إلى جانب هذه النقطة، هناك ضرورة لتوسيع نطاق الانفتاح الاقتصاد المحلي الكبير، بما يكفل التنوع المطلوب في وقت الأزمات، كتلك الموجودة حالياً. فالصين تدفع أعلى تعريفات جمركية للولايات المتحدة، حتى بعد تخفيضها نتيجة تفاهمات "عابرة" بنسبة 10 %.
هذه التعريفات تقف اليوم عند حدود الـ 47 %. لا شك في أن الاتفاقات المقبولة حول التجارة بين أكبر اقتصادين في العالم، تبقى الأكثر أهمية من أية مواجهات متجددة أخرى، غير أن الجانب الأمريكي سيبقى متمسكاً برؤيته القائمة على أن الولايات المتحدة تتعرض لـ "ظلم" تجاري منذ عقود، ولا بد من رفع هذا "الظلم".
الربع الأول من العام الجديد، سيشهد وضوحاً أكثر للعلاقات التجارية بين بكين وواشنطن، سواء على صعيد الحفاظ على الهدنة الراهنة، أو في ساحة المواجهات، التي قد تتخذ شكلاً أكثر حدة، بحيث لا تترك مجالاً للتراجع على المدى المتوسط على الأقل. ولا شك في أن تنفيذ التعديلات التي تضعها الصين حالياً في الشهر الثالث من 2026، ستوفر مساحة لهذه الأخيرة للمناورة.
كاتب اقتصادي
