جافن ماجواير
ربما كانت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هي الحدث الأبرز في قطاع الطاقة خلال 2026، لكن عمليات التحديث الهادئة لشبكات الكهرباء - من لاجوس إلى مانيلا - قد تكون ذات أهمية أكبر على المدى الطويل. فمنذ 2024، تفوقت الاقتصادات الناشئة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من الشرق الأوسط على بقية العالم في الإنفاق على المكونات الأساسية للطاقة النظيفة، ما يمهد الطريق أمام تسريع وتيرة التحول نحو الاعتماد على الكهرباء. ولا تقتصر هذه الاستثمارات على أنظمة الطاقة الشمسية فحسب، بل تشمل أيضاً البنية التحتية اللازمة لبناء شبكات كهربائية قادرة على إيصال الكهرباء منخفضة التكلفة إلى المنازل والشركات والمركبات.
وتشير بيانات صادرة عن مركز الأبحاث "إمبر" (Ember) إلى أنه منذ بداية 2024، استحوذت دول "الجنوب العالمي" على أكثر من نصف الإنفاق العالمي على 3 فئات رئيسية من التكنولوجيا صينية الصنع، وهي: معدات الشبكات، وأنظمة التبريد، ومصفوفات الطاقة الشمسية. ويبرز هذا الارتفاع المتزامن في الاستثمارات الموجهة نحو المكونات اللازمة لكهربة أنظمة الطاقة وتوسيع نطاق توزيع الكهرباء، توجهاً واسع النطاق لبناء بنية تحتية متكاملة في الأسواق الناشئة.
ومن شأن تحديث شبكات الكهرباء على نطاق واسع أن يجعل المرحلة التالية من التحول نحو الكهرباء أسرع وأقل تكلفة، إذ سيتيح لشركات المرافق دمج المزيد من مصادر الطاقة المتجددة، وتوسيع نطاق الوصول إلى الطاقة ليشمل عدداً أكبر من المستهلكين، وتحسين إدارة تدفق الطاقة عبر الشبكات الوطنية.
شبكات أساسية
لطالما ساد اعتقاد بأن مساهمة الأسواق الناشئة في التحول الطاقي تقتصر على تركيب الألواح الشمسية، نظراً لكونها رخيصة وسهلة التثبيت. غير أن البيانات المتعلقة باتجاهات استيراد معدات الشبكات الكهربائية صينية الصنع تكشف عن عملية بناء أكثر عمقاً واتساعاً لأنظمة الطاقة في هذه الأسواق.
وتُظهر بيانات "إمبر" أن حجم إنفاق دول - من بينها الهند وباكستان والفلبين والبرازيل وجنوب إفريقيا وفيتنام - على استيراد المحولات الكهربائية، ومعدات التبديل، وكابلات النقل، قد تجاوز 25.3 مليار دولار منذ مطلع 2024. ويُقارن هذا بمبلغ 23.8 مليار دولار أُنفقت على المكونات ذاتها من قِبل بقية دول العالم خلال الفترة نفسها، ما يعني أن الاقتصادات الناشئة استحوذت على النصيب الأكبر من الإنفاق على تحديث شبكات الكهرباء على مدى السنوات الثلاث الماضية تقريباً.
ويشير هذا الإنفاق الضخم على مكونات الشبكة إلى أن شركات المرافق لديها طموحات جادة على مستوى النظام كله لتعزيز وتوسيع شبكات الطاقة لديها، وإعدادها لمزيد من النمو. لطالما مثّل نقص البنية التحتية للشبكات عقبة أمام إمدادات الطاقة المتجددة، لذا فإن الشبكات التي خضعت للتحديث أصبحت قادرة على زيادة حصة الطاقة المتجددة فيها بسهولة أكبر، مع ضمان استمرار تدفق إمدادات الكهرباء.
التبريد
كما تفوقت اقتصادات "الجنوب العالمي" على بقية دول العالم في الإنفاق على معدات التدفئة والتبريد، إذ أنفقت الاقتصادات الناشئة ما يقرب من 26 مليار دولار منذ يناير 2024، مقارنة بـ 21 مليار دولار أنفقتها بقية دول العالم. وفي المدن الحارة التي تشهد نمواً سريعاً، يُعد الطلب على أجهزة تكييف الهواء مصدراً رئيسياً ومتزايداً للطلب على الكهرباء.
ورغم أن استخدام هذه المعدات يزيد من إجمالي الطلب على الطاقة -سواء من مصادر نظيفة أو من الوقود الأحفوري- فإن التوسع المتزامن في البنية التحتية للشبكة يتيح لشركات المرافق استباق هذا النمو في الأحمال، وتهيئة النظام كله لاستيعاب قدر أكبر من توليد الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسية، والمركبات الكهربائية، وغيرها.
أنفقت دول "الجنوب العالمي" ما يقرب من 47 مليار دولار على أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية منذ 2024، مقارنة بـ 37 مليار دولار أنفقتها بقية دول العالم. وقد أدى هذا الاستحواذ -الذي يمثل 55.4% من إجمالي الإنفاق العالمي على أنظمة الطاقة الشمسية الصينية منذ مطلع 2024- إلى طفرة هائلة في نشر الطاقة الشمسية ضمن أنظمة الكهرباء في الأسواق الناشئة. وعلاوة على ذلك، يمثل كل لوح شمسي كمية من الوقود لم تعد هناك حاجة لاستيرادها لتوليد الطاقة، كما يسهم في تعزيز الدعم المحلي للتوسع في استخدام الطاقة المتجددة مستقبلاً.
كما زادت اقتصادات "الجنوب العالمي" بشكل سريع من وارداتها من المركبات الكهربائية الصينية، ما يشير إلى أن قطاعات النقل لديها تشهد أيضاً تحولاً نحو الكهرباء بوتيرة قياسية. تواصل الاقتصادات الأكثر ثراءً الاستحواذ على الحصة الأكبر من واردات السيارات الكهربائية الصينية، إذ أنفقت 116.5 مليار دولار عليها خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وفقاً لبيانات مؤسسة "إمبر".
وفي المقابل، بدأت الأسواق الناشئة تلحق بالركب في هذا الإنفاق، حيث خصصت 73.2 مليار دولار حتى الآن هذا العام لاستيراد السيارات الكهربائية الصينية. ويُعد هذا الرقم في الأسواق الناشئة قفزة كبيرة مقارنة بـ 6 مليارات دولار فقط أُنفقت على السيارات الكهربائية الصينية خلال الفترة نفسها من 2023، وهو ما يبرز كيف يؤدي الانخفاض السريع في تكاليف هذه السيارات، إلى جانب توسع البنية التحتية للشحن، إلى تسريع وتيرة اعتمادها في جميع الأسواق.
انتبه للفجوة
يتأخر "الجنوب العالمي" عن بقية دول العالم فيما يتعلق بالإنفاق على أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات الصينية. فمنذ 2024، استحوذت الاقتصادات المتقدمة على 71% من إجمالي الإنفاق على البطاريات الصينية، بينما لم تتجاوز حصة الاقتصادات الناشئة 29%. ودون وجود هذه البطاريات، تواجه شبكات الكهرباء التي تعتمد بشكل مكثف على الطاقة الشمسية خطر التعرض لعمليات تقييد واسعة النطاق في إمدادات الطاقة. وتزايد حدة ارتفاع أسعار الكهرباء ليلاً مع توقف توليد الطاقة الشمسية.
ومع ذلك، تشهد استثمارات دول "الجنوب العالمي" في هذا المجال نمواً سريعاً، إذ ارتفعت من نحو 9 مليارات دولار خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2024، لتصل إلى 21 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الجاري. وثمة جانب آخر مهم يتعلق ببيانات الاستيراد، وهو أنها مُقوَّمة بالدولار الأمريكي، في حين شهدت أسعار تكنولوجيا الطاقة النظيفة الصينية انخفاضاً حاداً في السنوات الأخيرة.
وهذا يعني أن كل دولار يُنفق يتيح الحصول على قدرة أكبر مما كان عليه الحال في السابق، ما يشير إلى أن حجم التوسع الفعلي على أرض الواقع قد يكون أكبر مما توحي به أرقام الإنفاق وحدها.
ركائز دائمة
إجمالاً، أنفقت اقتصادات "الجنوب العالمي" ما يقرب من 235 مليار دولار على استيراد تكنولوجيا الطاقة النظيفة من الصين منذ بداية 2024.وقد ظلت هذه النفقات بعيدة عن دائرة الضوء إلى حد كبير، في ظل التداعيات الناجمة عن الصراع مع إيران، الذي لا يزال يزعزع استقرار أسواق النفط والوقود العالمية. لكن طوال فترة هذا الصراع - بل وحتى في السنوات التي سبقته - كانت الأسواق الناشئة تضع الأسس لأنظمة طاقة أكثر حداثة، وأقل اعتماداً بشكل متزايد على الوقود المستورد لتلبية احتياجاتها اليومية.
وإذا ما واكبت قدرات التخزين، وتوافر التمويل، وسياسات الطاقة المحلية، وتيرةَ وصول هذه التجهيزات التقنية، فإن "الجنوب العالمي" يمتلك فرصة للتحول نحو الكهرباء بوتيرة أسرع من أي منطقة أخرى سبقتها. قد يُفتح مضيق هرمز بالكامل مجدداً، وقد لا يُفتح، أما المحولات الكهربائية فقد وُجدت لتبقى.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
