يأتي بحث تأسيس مجلس تعاون وتنسيق إستراتيجي بين السعودية وجمهورية السودان في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد السوداني، لكنه في الوقت نفسه يفتح نافذة نادرة أمام بناء نموذج جديد للعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
فالسودان يواجه اقتصاداً أضعفته الحرب وتدمير البنية التحتية وتعطل قطاعات الإنتاج والخدمات وتراجع الإيرادات العامة وارتفاع معدلات الفقر، بينما تمتلك السعودية قاعدة مالية واستثمارية واسعة، ومؤسسات تمويل وتنمية، وشركات قادرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة والزراعة والتعدين والخدمات اللوجستية.
لكن المعادلة الأكثر أهمية أن السودان لا يملك فقط "احتياجات"، بل يمتلك موارد وفرصاً يمكن أن تشكل قاعدة استثمارية مهمة للسعودية: أراضٍ زراعية، ثروة حيوانية، موارد معدنية، ساحل طويل على البحر الأحمر، موقع جغرافي إستراتيجي، وفرص ضخمة في إعادة الإعمار.
لذلك فإن أفضل تعريف للمجلس المقترح إنما هو منصة لتحويل الموارد السودانية المعطلة إلى فرص استثمارية، وتحويل رأس المال والخبرة والأسواق السعودية إلى محرك للتعافي والنمو السوداني.
أولاً: الاقتصاد السوداني.. لماذا يحتاج إلى شراكة استثنائية؟
تكشف أحدث بيانات البنك الدولي عن حجم الفجوة التي يواجهها السودان. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023 ثم 14% في 2024، بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى نمو قدره 3.1% في 2025، وهو تحسن يأتي من قاعدة منخفضة جداً بعد عامين من الانكماش الحاد.
كما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% خلال 2024–2025، بينما ارتفعت نسبة الفقر المدقع وفق تقديرات البنك الدولي من 48% في 2023 إلى 59% في 2025.
ويؤكد البنك الدولي أن استعادة السلام والاستقرار وإعادة تأهيل الزراعة والبنية التحتية وسلاسل القيمة ستكون عوامل أساسية لاستدامة التعافي. وتشير توقعات البنك الدولي المنشورة في يونيو 2026 إلى نمو السودان بنحو 5.5% في 2026، و4.4% في 2027، إذا استمرت ظروف التعافي، وهو ما يعني أن الاقتصاد قد يبدأ مرحلة إعادة بناء تدريجية، لكن من قاعدة شديدة الانخفاض. وهنا تحديداً تظهر أهمية رأس المال السعودي.
ثانياً: التجارة السعودية–السودانية.. قاعدة موجودة بالفعل فلا تبدأ العلاقات الاقتصادية بين البلدين من الصفر.
بحسب منصة DataSaudi، بلغت صادرات السعودية إلى السودان في 2025 نحو: 3.9 مليار ريال، وفي الاتجاه الآخر بلغت واردات السعودية من السودان: 2.0 مليار ريال.وبذلك وصل حجم التجارة الثنائية في 2025 إلى نحو:5.9 مليار ريال. وهذه التركيبة وحدها تكشف عن مجال إستراتيجي هائل: السودان يستطيع زيادة صادراته إلى السعودية من المواد الزراعية والحيوانية، بينما تستطيع السعودية تصدير المدخلات والتكنولوجيا والآلات والتمويل والخدمات.
الفرص الاقتصادية بين البلدين أكبر بكثير من حجم الاستثمار الحالي. ومن هنا يمكن أن يكون أحد أهداف مجلس التنسيق الجديد:
رفع الاستثمارات السعودية المباشرة في القطاعات الإنتاجية السودانية بصورة كبيرة خلال 2026–2030، بدلاً من اقتصار العلاقة على التجارة والمساعدات الإنسانية.
ثالثاً: إعادة الإعمار.. المدخل الأول لأي شراكة اقتصادية
هذه النقطة بدأت بالفعل في الظهور على أجندة البلدين. ففي يونيو 2026 بحث السودان والسعودية دعم معالجة الديون وتمويل مشروعات التعافي وإعادة الإعمار، وطلب الجانب السوداني دعم السعودية داخل المؤسسات المالية الدولية والإقليمية لتسهيل حصول السودان على التمويل. كما ناقش الطرفان التمويل المباشر للمشروعات التنموية والخدمية ذات الأولوية وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية. وهذا يعني أن المجلس يستطيع بناء "منصة سعودية–سودانية لإعادة الإعمار" تتولى تحديد مشروعات جاهزة للتمويل في قطاعات الكهرباء، والمياه، والطرق، والجسور، والموانئ، والمطارات، والاتصالات والمستشفيات، والمدارس، والمناطق الصناعية. والأهم أن هذه المشاريع يجب أن تنتقل من نموذج المنحة إلى نموذج التمويل التنموي والاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص حيثما تسمح الظروف.
رابعا: الديون.. الدور السعودي يمكن أن يتجاوز التمويل المباشر فالسودان بحاجة إلى استعادة قدرته على الوصول إلى المؤسسات المالية الدولية. وهنا يمكن للسعودية أن تلعب دوراً مهماً في دعم السودان داخل البنك الدولي ، صندوق النقد الدولي، البنك الإسلامي للتنمية. الصناديق والمؤسسات العربية. المؤسسات المالية الإفريقية.
وتملك الرياض خبرة كبيرة في استخدام التمويل التنموي والمؤسسات المالية والصكوك وأدوات تمويل البنية التحتية. وقد سبق للسعودية أن رحبت في 2021 بتأهيل السودان للاستفادة من مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، وأكدت دعمها لجهود السودان لإنعاش اقتصاده. كما تمكن السودان في ديسمبر 2025 من توقيع اتفاقية لإعادة جدولة مديونيته لصندوق النقد العربي على مدى 25 عاماً، وهو مثال على أهمية إعادة هيكلة الالتزامات المالية للسودان.
خامسا: الزراعة.. أكبر فرصة اقتصادية مشتركة
إذا كان هناك قطاع واحد يمكن أن يغير المعادلة الاقتصادية السعودية–السودانية، فهو الزراعة والأمن الغذائي. السودان يمتلك إمكانات هائلة في القمح. الذرة، السمسم، الحبوب، الزيوت، السكر، الأعلاف، الفواكه، الخضروات، القطن، والثروة الحيوانية. بينما تحتاج السعودية إلى تأمين وتنويع مصادر الغذاء وسلاسل الإمداد.
النموذج المطلوب: رأسمال سعودي، أراضٍ وفرص إنتاج سودانية، تكنولوجيا زراعية، تمويل وتأمين، تخزين ونقل، تصنيع غذائي وسوق سعودية وهذه سلسلة غذاء سعودية–سودانية متكاملة.
وتؤكد مؤشرات التعاون الدولي الحديثة أن دعم الزراعة هو أحد المداخل الرئيسية لتعافي الاقتصاد السوداني؛ ففي مايو 2026 وقع السودان اتفاقية بقيمة 83 مليون دولار مع البنك الإفريقي للتنمية لتعزيز صمود الأنظمة الزراعية والغذائية وزيادة إنتاج الغذاء وتوليد وظائف في الأعمال الزراعية. وهنا يمكن للسعودية أن تضيف إلى التمويل الخبرة الاستثمارية والتكنولوجيا والسوق.
سادساً: الثروة الحيوانية.. من تصدير المواشي إلى صناعة اللحوم
تظهر أرقام التجارة أن الحيوانات الحية تمثل الجزء الأكبر من الواردات السعودية من السودان.ففي 2025 بلغت قيمة الحيوانات الحية المستوردة من السودان نحو 8 مليارات ريال. لكن النموذج الاقتصادي الأكثر تطوراً سيكون: تربية → أعلاف → رعاية بيطرية → مسالخ حديثة → تبريد → تصنيع → نقل → تصدير.
سابعا: الذهب والتعدين.. فرصة إستراتيجية ولكن بشروط التعدين والذهب يمثلان أحد أهم الملفات التي يمكن أن تجذب رأس المال السعودي. لكن يجب أن يكون الهدف: ليس شراء الذهب السوداني فقط، وإنما بناء صناعة تعدين سودانية حديثة.
وتملك السعودية خبرة متنامية في تطوير قطاع التعدين، حيث بلغ عدد الرخص التعدينية السارية في السعودية بنهاية 2025 نحو 2,925 رخصة، من بينها 1,018 رخصة كشف و275 رخصة استغلال تعدين ومنجم صغير. وبالتالي يمكن نقل جزء من الخبرة التنظيمية والتقنية والاستثمارية السعودية إلى السودان.
ثامنا : البحر الأحمر.. مشروع إستراتيجي يتجاوز حدود البلدين
يمتلك السودان موقعاً إستراتيجياً على البحر الأحمر، وهذا يمنح العلاقة السعودية–السودانية بعداً لوجستياً مهماً. المطلوب أن تتحول هذه المنطقة إلى: موانئ حديثة.
مناطق لوجستية، مستودعات، مناطق اقتصادية خاصة، خدمات بحرية، صناعات مرتبطة بالموانئ، سلاسل إمداد غذائية ومعدنية وبذلك يمكن تطوير ممر اقتصادي سعودي–سوداني على البحر الأحمر. وهذه ربما تكون واحدة من أهم الزوايا التي يجب أن يركز عليها المجلس؛ لأنها تجمع بين: الموانئ + التجارة + الغذاء + التعدين + النقل + الأمن اللوجستي.
تاسعا: الطاقة والكهرباء
لا يمكن أن تبدأ عملية إعادة البناء الاقتصادي في السودان من دون حل أزمة الطاقة. يمكن أن يكون هناك برنامج سعودي–سوداني في:الطاقة الشمسية، محطات الكهرباء، شبكات النقل، تخزين الطاقة، الطاقة للمشروعات الزراعية، الطاقة للمناطق الصناعية، حلول المياه والتحلية والمعالجة، والأهم ربط الطاقة بالمشروعات الإنتاجية.
عاشرا: الصناعة والتصنيع الغذائي
يجب أن يكون الهدف الأساسي هو منع عودة السودان إلى نموذج اقتصاد تصدير المواد الخام. مثلاً: السمسم → زيت ومصانع غذائية القطن → غزل ونسيج الحبوب → مطاحن وصناعات غذائية الحيوانات → لحوم مصنعةالمعادن → معالجة وتكرير وهذا يرفع قيمة الصادرات ويزيد الوظائف ويخلق قاعدة صناعية.
الحادي عشر: الاتصالات والاقتصاد الرقمي يمكن أن تكون التكنولوجيا من أسرع القطاعات القابلة لإعادة البناء.
الفرص تشمل: شبكات الاتصالات، الدفع الإلكتروني، البنوك الرقمية، التجارة الإلكترونية، الخدمات الحكومية الرقمية، مراكز البيانات.التكنولوجيا الزراعية، الخدمات اللوجستية الرقمية. وهذا القطاع يمكن أن يستفيد من الخبرات التي راكمتها السعودية ضمن التحول الرقمي ورؤية 2030.
الثاني عشر: ما الذي يمكن أن تقدمه السعودية للسودان؟ يمكن تلخيص "حزمة الشراكة السعودية" المقترحة في 7 عناصر: رأس المال تمويل واستثمار مباشر. والضمانات وتقليل مخاطر المستثمرين والتكنولوجيا، والخبرة بإدارة المشروعات والبنية التحتية، وتحويل السعودية إلى سوق رئيسية للمنتجات السودانية، والمؤسسات المالية، دعم وصول السودان إلى التمويل الدولي، والشركات وإدخال القطاع الخاص السعودي في مشروعات إنتاجية.
ثالث عشر: ماذا يمكن أن يحصل عليه المستثمر السعودي؟حتى تكون العلاقة استثمارية متوازنة، يجب أن يحصل المستثمر السعودي على ضمانات قانونية، حماية للاستثمار، وضوح في الملكية، نظام ضريبي واضح، إمكانية تحويل الأرباح، حماية العقود، شفافية في منح الأراضي والتراخيص، آليات تحكيم، تأمين ضد المخاطر السياسية، نافذة استثمارية موحدة، وهذه النقطة حاسمة، فرأس المال لا يبحث فقط عن الموارد؛ يبحث عن البيئة التي تسمح له بتحويل الموارد إلى عائد.
الخلاصة الاقتصادية
السودان لا يحتاج من السعودية فقط إلى أموال. إنه يحتاج إلى رأسمال + خبرة + تكنولوجيا + أسواق + ضمانات + مؤسسات + شراكات. وفي المقابل، لا ينبغي أن تنظر السعودية إلى السودان كسوق للمساعدات فقط، بل كسوق طويلة الأجل للزراعة والأمن الغذائي والتعدين واللوجستيات والطاقة والصناعة.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية: السعودية تمتلك رأس المال والخبرة والأسواق، والسودان يمتلك الموارد والمساحات الزراعية والثروة الحيوانية والموقع الإستراتيجي والفرص غير المستغلة.وبالتالي فإن أفضل نموذج للعلاقة هو:
"رأس المال السعودي × الموارد السودانية × السوق السعودية = شراكة إستراتيجية قابلة للنمو." وإذا نجح مجلس التنسيق الإستراتيجي في تحويل هذه المعادلة إلى مشروعات فعلية، فإن الرياض لا تكون فقط داعمة لتعافي السودان، بل يمكن أن تصبح شريكاً رئيسياً في إعادة بناء اقتصاده وتحويل موارده إلى قطاعات منتجة ومستدامة.
صحافي سوداني في صحيفة الاقتصادية
