الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 4 أبريل 2026 | 16 شَوَّال 1447
Logo
شركة الاتحاد التعاوني للتأمين6.48
(-0.15%) -0.01
مجموعة تداول السعودية القابضة138.6
(-0.07%) -0.10
الشركة التعاونية للتأمين125.9
(-0.87%) -1.10
شركة الخدمات التجارية العربية117.9
(-2.88%) -3.50
شركة دراية المالية5.19
(0.19%) 0.01
شركة اليمامة للحديد والصلب34.54
(-2.43%) -0.86
البنك العربي الوطني21.65
(0.23%) 0.05
شركة موبي الصناعية10.9
(-0.46%) -0.05
شركة البنى التحتية المستدامة القابضة34.38
(-1.21%) -0.42
شركة إتحاد مصانع الأسلاك17.75
(-0.22%) -0.04
بنك البلاد26.92
(0.37%) 0.10
شركة أملاك العالمية للتمويل10.05
(0.30%) 0.03
شركة المنجم للأغذية53.5
(1.90%) 1.00
صندوق البلاد للأسهم الصينية11.38
(-0.18%) -0.02
الشركة السعودية للصناعات الأساسية59.55
(0.00%) 0.00
شركة سابك للمغذيات الزراعية149.9
(0.87%) 1.30
شركة الحمادي القابضة26.46
(-0.53%) -0.14
شركة الوطنية للتأمين12.9
(2.14%) 0.27
أرامكو السعودية27.6
(0.15%) 0.04
شركة الأميانت العربية السعودية14.21
(2.38%) 0.33
البنك الأهلي السعودي42.46
(0.28%) 0.12
شركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات35.9
(4.24%) 1.46

التمويل الذي يمكن الصناعة

سلمان بن محمد الجشي
الأحد 1 مارس 2026 15:5 |5 دقائق قراءة

  تمثل الصناعة الركيزة الأهم لأي اقتصاد يسعى إلى التنويع والاستدامة. صندوق التنمية الصناعي السعودي ارتبطت مسيرة التصنيع الحديثة ارتباطًا وثيقاً بجهوده، الذي كان منذ تأسيسه قبل نحو 50 عاماً أحد أهم الأدوات الوطنية لدعم الاستثمار الصناعي.

فمنذ انطلاقه لعب الصندوق دوراً محورياً في تمويل المصانع، وتوطين التقنيات، وبناء قاعدة صناعية أسهمت في قيام آلاف المنشآت الإنتاجية في مختلف مناطق المملكة. خلال هذه العقود، كان الصندوق نموذجاً ناجحاً لما يُعرف عالمياً بـ“ بنوك التنمية الصناعية ” وهي مؤسسات حكومية متخصصة في تمويل الصناعة بشروط طويلة الأجل وبروح تنموية تتجاوز المنطق التجاري البحت.

وقد أثمرت هذه التجربة عن نتائج مهمة، إذ نما القطاع الصناعي السعودي بشكل ملحوظ، وأصبح لدينا اليوم نحو 12,874 مصنعاً قائماً في مختلف القطاعات، من الصناعات الغذائية والدوائية إلى الصناعات الكيماوية والمعدنية المتقدمة.

 ولا شك أن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا الرؤية المبكرة التي أدركت أن الصناعة تحتاج إلى تمويل صبور، وشراكة حقيقية بين الدولة والمستثمرين لكن العالم اليوم يشهد سباقاً متسارعاً في التصنيع. فالدول الصاعدة لا تكتفي بالحفاظ على مكتسباتها بل تسعى إلى مضاعفتها.  بدأ 1,236 مصنعاً جديداً عمليات الإنتاج لأول مرة في يناير من 2026 في إندونيسيا و هي إحدى دول العشرين، هذا الرقم يعكس ديناميكية صناعية لافتة ويعطي مؤشراً على حجم المنافسة الدولية في مجال التصنيع وجذب الاستثمارات الإنتاجية. هذه المقارنة لا تقلل من الإنجاز السعودي، لكنها تذكّرنا بأن المحافظة على موقع متقدم ضمن اقتصادات مجموعة العشرين تتطلب مراجعة مستمرة للأدوات والسياسات.

فالسعودية تمتلك مزايا تنافسية هائلة، ليس أقلها موقعها الجغرافي الإستراتيجي، ومواردها الاقتصادية، إضافة إلى ميزة فريدة لا تمتلكها أي دولة أخرى في العالم وهي كونها قبلة المسلمين ومركزاً روحياً واقتصادياً لمليارات البشر. هذه الميزة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية ضخمة إذا جرى توظيفها ضمن رؤية صناعية طموحة تستهدف الأسواق الإسلامية والعالمية. 

ومن هنا تأتي أهمية أن يكون صندوق التنمية الصناعية السعودي أداة رئيسية في تنفيذ إستراتيجية “صُنع في السعودية” ليس فقط عبر التمويل التقليدي، بل من خلال منظومة متكاملة تحفز الاستثمار الصناعي وتدعم نمو المصانع القائمة وتستقطب مشاريع جديدة.

وقد نجح الصندوق تاريخياً في أداء هذا الدور بفاعلية، حيث اتسم نهجه لفترة طويلة بالشراكة مع المستثمر الصناعي، وفهم طبيعة المخاطر التي تحيط بالمشاريع الإنتاجية التي عادة ما تحتاج سنوات قبل تحقيق العائد. غير أن بعض التغيرات التي طرأت في السنوات الأخيرة على آليات التمويل والتنفيذ أثارت قلقاً متزايداً لدى شريحة من المستثمرين الصناعيين، خصوصاً ما يتعلق بالضمانات الشخصية وآليات التنفيذ على الأفراد.

فبينما كان التركيز في التجارب العالمية على المشروع الصناعي ذاته وعلى أصوله وتدفقاته النقدية، أصبح المستثمر في بعض الحالات يواجه مخاطر شخصية مباشرة رغم أنه عادة ما يكون قد استثمر كامل مدخراته في المشروع نفسه.

المشكلة هنا ليست في مبدأ الضمانات بحد ذاته، بل في التوازن بين حماية المال العام وتشجيع الاستثمار الصناعي. فالصناعة بطبيعتها قطاع عالي المخاطر مقارنة بالأنشطة التجارية أو الخدمية. وهي تتأثر بعوامل متعددة مثل تقلبات الأسعار العالمية، وسلاسل الإمداد، والتغيرات التكنولوجية، إضافة إلى التحديات التشغيلية التي قد تواجه أي مصنع في مراحله الأولى.

ولذلك فإن كثيراً من الدول الصناعية الكبرى تجنبت الاعتماد المفرط على الضمانات الشخصية، وبدلاً من ذلك طورت أدوات أكثر مرونة مثل ضمانات القروض الحكومية أو تمويل المشاريع المعتمد على تدفقات المشروع نفسه. على سبيل المثال ، بنك KFW  الألماني اعتمد نظاماً يقوم على الشراكة مع البنوك التجارية وتوفير ضمانات حكومية جزئية تقلل المخاطر على الممولين دون تحميل المستثمر الصناعي عبئاً شخصياً مفرطاً. و لعب بنك التنمية الكوري في  كوريا الجنوبية دوراً محورياً في تمويل الصناعات الثقيلة والتكنولوجية، مع وجود مؤسسات ضمان حكومية تغطي جزءاً كبيراً من المخاطر.

أما بنك BNDES  في البرازيل، فقد أسهم في بناء قاعدة صناعية واسعة عبر قروض طويلة الأجل واستثمارات مباشرة في الشركات. القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الدولة تنظر إلى التمويل الصناعي كأداة إستراتيجية لبناء الاقتصاد، وليس مجرد نشاط إقراضي تقليدي. ولذلك فإن العلاقة بين الصندوق والمستثمر الصناعي تقوم على الشراكة في تحقيق هدف وطني أكبر، وهو توسيع القاعدة الإنتاجية وخلق فرص العمل وتعزيز الصادرات. 

في هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الصندوق الوطني للتنمية  المظلة التي تشرف على الصناديق التنموية الوطنية في المملكة. فالصندوق الوطني للتنمية يمتلك القدرة المؤسسية على مراجعة السياسات وتنسيق الجهود بين الجهات المختلفة، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية الموارد المالية للدولة وتمكين المستثمر الصناعي من الاستمرار والنمو.

 إن المطلوب اليوم ليس مجرد معالجة حالات فردية ، بل تطوير آلية مؤسسية مستلهمة من أفضل الممارسات العالمية تأخذ في الاعتبار خصوصية الصناعة السعودية وطموحاتها المستقبلية. ويمكن أن تشمل هذه الآلية عدداً من العناصر، مثل تعزيز أدوات ضمان القروض، وتبني نماذج تمويل تعتمد بدرجة أكبر على أصول المشروع وتدفقاته النقدية، إضافة إلى برامج لإعادة هيكلة المشاريع الصناعية التي تواجه صعوبات مؤقتة بدلاً من اللجوء المبكر إلى التنفيذ القانوني.

كما يمكن النظر في إنشاء أو تطوير منظومة ضمان صناعي وطني تشارك في تحمل جزء من المخاطر، على غرار ما هو معمول به في عدد من الاقتصادات المتقدمة، فهذه الأدوات لا تحمي المستثمرين فقط ، بل تحمي أيضاً المال العام من خلال تقليل احتمالات تعثر المشاريع عبر توفير حلول مرنة قبل الوصول إلى مرحلة التعثر الكامل. إن المستثمر الصناعي في نهاية المطاف ليس مجرد مقترض، بل هو شريك في تحقيق مستهدفات التنمية الاقتصادية.

وغالباً ما يكون قد خاطر برأسماله الشخصي، وكرّس سنوات من عمره لبناء مصنع يخلق الوظائف وينتج القيمة المضافة للاقتصاد الوطني. ومن هنا فإن أي سياسة تمويلية ينبغي أن تراعي هذه الحقيقة وأن تعزز الثقة المتبادلة بين الدولة والقطاع الصناعي . المملكة اليوم تقف على أعتاب مرحلة صناعية جديدة مدفوعة برؤية طموحة وبرامج وطنية مثل “ صُنع في السعودية ” . لكن تحقيق هذه الرؤية يتطلب أن تكون أدوات التمويل الصناعي بنفس مستوى الطموح.

فالمنافسة الدولية في مجال التصنيع تزداد شراسة، والدول التي تنجح هي تلك التي توفر للمستثمر الصناعي بيئة تمويلية مستقرة ومحفزة. إن مراجعة بعض الممارسات الحالية، والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة، يمكن أن يعزز دور صندوق التنمية الصناعية السعودي كأحد أهم محركات التحول الاقتصادي في السعودية.

كما أن تدخل الصندوق الوطني للتنمية لإيجاد حلول مؤسسية متوازنة قد يشكل خطوة مهمة نحو معالجة التحديات التي تواجه بعض المصانع القائمة، وفي الوقت نفسه فتح الباب أمام موجة جديدة من الاستثمارات الصناعية. وفي النهاية، يبقى الهدف المشترك هو ضمان أن تظل السعودية لاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي، وأن تحافظ على مكانتها ضمن دول مجموعة العشرين، بل وأن تتقدم إلى مراتب أعلى فيها. ولتحقيق ذلك، لا بد من منظومة تمويل صناعي متطورة تعكس روح الشراكة بين الدولة والمستثمر، وتحوّل شعار“ صُنع في السعودية ” إلى قصة نجاح صناعية عالمية.

كاتب اقتصادي ورجل أعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية