لم يعد النمو وحده كافيًا لإقناع المستثمرين في قطاع التقنية المالية. فبعد مرحلة كان فيها التركيز على زيادة عدد العملاء والتوسع السريع، أصبح السؤال الأبرز اليوم هو قدرة الشركات على تحويل هذا النمو إلى أرباح يمكن المحافظة عليها.
هذا التحول لا يعني أن النمو فقد أهميته، لكنه أصبح أكثر ارتباطًا بالكفاءة والانضباط المالي. فقد تجاوزت إيرادات قطاع التقنية المالية عالميًا 504 مليارات دولار خلال 2025 بنمو 22%، فيما أصبحت 74% من أكبر شركات التقنية المالية المدرجة تحقق أرباحا.
هذه الأرقام تعكس مرحلة أكثر نضجًا للقطاع. فلم يعد السؤال فقط عن عدد العملاء الذين تستطيع الشركة جذبهم، بل عن تكلفة الوصول إليهم واستقطابهم، والإيرادات التي تحققها منهم، وعدد المنتجات التي يستخدمونها، وقدرة الشركة في النهاية على تحقيق أرباح مستدامة.
تعد شركة SoFi الأمريكية من الأمثلة الواضحة على هذا التحول. فقد أمضت سنوات في التوسع وبناء قاعدة العملاء، مع استمرارها في تسجيل الخسائر. وجاءت نقطة التحول في الربع الرابع من 2023، عندما حققت للمرة الأولى صافي ربح بنحو 48 مليون دولار.
واستمر نمو الشركة حتى بعد الوصول إلى الربحية. ففي الربع الثاني من 2026، وصل عدد عملائها إلى نحو 15.8 مليون عميل، وبلغت إيراداتها المعدلة 1.2 مليار دولار بنمو 40%، فيما وصل صافي الربح إلى نحو 157 مليون دولار. تجربة SoFi توضح أن الوصول إلى الربحية لم يكن نهاية النمو، بل بداية مرحلة أكثر انضباطا.
فالفرق لم يعد في عدد العملاء فقط، وإنما في القيمة التي تستطيع الشركة تحقيقها من كل عميل، وقدرتها على تنويع الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق مع استمرار التوسع.
وفي السوق السعودي، يقدم بنك D360 تجربة مختلفة تستحق المتابعة من الزاوية نفسها. فمنذ بدء عملياته التجارية في ديسمبر 2024، تجاوز البنك ثلاثة ملايين عميل، ووصلت ودائع العملاء إلى 3.6 مليار ريال بنهاية يونيو 2026، فيما بلغ إجمالي التمويلات الممنوحة نحو 500 مليون ريال.
الوصول إلى هذا الحجم خلال فترة قصيرة يعكس قدرة واضحة على جذب العملاء والودائع. أما المرحلة التالية فتتمثل في توظيف هذه السيولة، والتوسع في التمويل والمنتجات، وزيادة الإيرادات من قاعدة العملاء.
ولا يزال البنك في مراحله المبكرة، لذلك من الطبيعي أن يحتاج إلى وقت قبل الوصول إلى الربحية. فشركة SoFi نفسها استغرقت سنوات من التوسع وبناء قاعدة العملاء قبل أن تحقق أول ربع ربحي لها في نهاية 2023.
النمو لا يفقد أهميته، لكن قيمته أصبحت مرتبطة أكثر بما يمكن أن يضيفه إلى الإيرادات والأرباح مع الوقت. وهذا ما يدفع قطاع التقنية المالية تدريجيا من النمو بأي ثمن إلى نمو أكثر انضباطا.
وفي المرحلة المقبلة، لن يكون عدد العملاء وحده كافيًا، بل الأهم سيكون قدرة الشركة على تحقيق قيمة أكبر من قاعدة العملاء التي بنتها، وتحويل هذا النمو إلى نموذج يستطيع الاستمرار على المدى الطويل.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
