محمد كركوتي
أكثر ما تخشاه الإدارة الأمريكية على الساحة الاقتصادية المحلية، أن ترتفع أسعار السلع في العام الجديد، أكثر مما هي عليه الآن. الانتخابات النصفية التي تخشى من نتائجها مسبقاً كل الإدارات، ستجري قبل نهاية العام الحالي، وهي مرتبطة بصورة كبيرة بأسعار المستهلكين الذين عاشوا ما لا يقل عن 4 سنوات تحت رحمة التضخم المرتفع. نجحت الولايات المتحدة (كبقية البلدان الأخرى) بخفض الأسعار، إلا أنها لا تزال في المرحلة الحساسة، أي أنها قد ترتفع عند أول خطأ قد يرتكب في تنظيم السياسة المالية.
هذا ما يخشاه المشرعون في البر الأمريكي، وهو ما يفسر الخلاف العميق بين رؤيتهم في هذا المجال، ورؤية الرئيس دونالد ترمب، الذي يرغب بقوة في خفض الفائدة، لضمان مستويات من النمو عالية قبل نهاية السنة الحالية.
وبصرف النظر عمن سيأتي خلفاً لرئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) الحالي جيروم باول، الذي لا "يحبه" ترمب، فهناك تحد أمام هذا الأخير من جهة إمكانية واردة جداً لارتفاع الأسعار، كنتيجة للرسوم الجمركية التي فرضها على معظم الدول المصدرة لبلاده.
صحيح أن عائدات التعريفات الجديدة أضافت نحو 190 مليار دولار للخزينة العامة في العام الماضي، وهو رقم كبير جداً مقارنة بعوائد العام 2024، لكن الصحيح أيضاً أن هناك مخاطر من ارتفاع أسعار السلع في الأشهر المقبلة، في ظل تحرك الشركات لإضافة التكاليف الزائدة على المستهلكين أنفسهم، بعد أن تحملت بالفعل العبء الأكبر في العام الماضي. هنا تظهر المخاوف من زيادة التضخم في سنة انتخابية حساسة للغاية.
تصعب قراءة التوجهات الراهنة للرئيس الأمريكي حيال هذا الأمر. فهو من جهة يريد تكاليف اقتراض أقل، وأعلنها بوضوح "أريد رئيساً جديداً للفيدرالي، يخفض الفائدة فوراً"، ومن ناحية أخرى، لا يرغب بالتأكيد في عودة التضخم للارتفاع، وهو الآن عند حدود مقبولة من الناحية العملية. ليس غريباً على ترمب أن يعيد النظر فجأة بقرارات اتخاذها، إذا ما وجد أن ذلك يصب في توجهاته.
فقد أقدم بالفعل (مثلاً) على تجميد فرض رسوم جمركية على بعض السلع الأجنبية، لأسباب تتعلق بالمستهلك الأمريكي. وإذا ما ظهرت آثار التعريفات التي فرضها على السوق الأمريكية، قد يخفف بعضها، وقد يتوقف ولو لفترة عن مطالبته المستمرة بضرورة خفض أسعار الفائدة.
كل شيء بات مرهوناً الآن، في طبيعة تحرك الشركات التي تحملت تكاليف الرسوم. فالمسألة حساسة في سنة حساسة أيضاً، يسعى فيها ترمب أن يظل الجمهوريون مسيطرين على المؤسسات التشريعية في البلاد، بكل الوسائل الممكنة. الانتخابات النصفية، لن تؤثر في نتائجها على الإدارة الحالية فحسب، بل سينسحب تأثيرها في المستقبل الانتخابي للحزب الجمهوري نفسه. فالمعادلة صعبة.. نمو كبير يتمناه البيت الأبيض؟ أم مخاطر عودة التضخم للارتفاع؟ أم بقاء التعريفات عند مستوياتها الراهنة؟
كاتب اقتصادي
