سلمان الجشي
في ظل التوترات الإقليمية المتسارعة، برزت حكمة القيادة السعودية في تجنيب الوطن الانزلاق إلى أتون صراعات لا تخدم استقراره ولا مصالحه العليا، مؤكدة نهجاً راسخاً يقوم على تغليب العقل والحفاظ على مقدرات الدولة. وفي الوقت ذاته، لا يسعنا إلا أن نعبر عن عميق الشكر والامتنان لرجالنا البواسل من منسوبي القوات المختلفة، الذين وقفوا بكل شجاعة لحماية المنشآت الحيوية وصون أمن الوطن، مقدمين التضحيات في سبيل استقرار البلاد وسلامة مواطنيها.
غير أن هذه الأحداث وما صاحبها من استهداف مباشر للبنية التحتية الحيوية، تكشف بوضوح أن مفهوم الأمن الوطني لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل يمتد ليشمل القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الصناعي، وضمان استمرارية سلاسل الإمداد في أصعب الظروف.
لقد أثبتت التجربة أن الاعتماد على الخارج في أدق المكونات قد يشكل نقطة ضعف، وهو ما يفرض علينا إعادة النظر بجدية في أولوياتنا الصناعية، وتعزيز دور المحتوى المحلي كركيزة أساسية للأمن الوطني الشامل.
من هنا، تبرز أهمية تفعيل دور هيئة المحتوى المحلي ووزارة الصناعة، ليس فقط كجهات تنظيمية، بل كمحركات إستراتيجية لمرحلة جديدة من التصنيع الوطني، ترتكز على توطين سلاسل القيمة كاملة، لا الاكتفاء بمراحلها النهائية.
المطلوب اليوم هو بناء قاعدة صناعية متكاملة تبدأ من المواد الخام، مروراً بالتصنيع الوسيط، وصولاً إلى المنتج النهائي، بما يحقق استقلالية حقيقية ويقلل من التعرض للصدمات الخارجية. ويأتي قطاع الصناعات الدوائية، الغذائية والأمنيّة في مقدمة هذه الأولويات.
فرغم الجهود المبذولة في دعم التصنيع المحلي، فإن الواقع يشير إلى اعتماد واسع على استيراد المكونات الأساسية للقطاع الدوائي، بل وحتى مواد التغليف. المثال الأوضح هو الألمنيوم المستخدم في تغليف الأدوية، الذي يتم استيراده رغم توفر المادة الخام محلياً. هذه المفارقة تُبرز فجوة يجب معالجتها عبر سياسات صناعية دقيقة تستهدف توطين الصناعات المغذية، وليس فقط المنتج النهائي .
إن الإستراتيجية الصناعية المنشودة يجب أن تركز بوضوح على القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي، الدوائي والأمني، مع توفير حزمة متكاملة من أدوات التمكين، تشمل التمويل الميسر، والحوافز الضريبية، وتسهيل الإجراءات، ونقل التقنية، وبناء القدرات البشرية، كما أن إشراك القطاع الخاص الصناعي كشريك أساسي في هذا التحول يعد أمراً حيوياً، خاصة إذا ما تم ربط الحوافز بمستويات تحقيق المحتوى المحلي الفعلي.
وعلى ضوء ما شهدته منشآت الطاقة من استهدافات وتأثيرات مباشرة في الإنتاج والإمدادات، تتأكد الحاجة إلى تبني نهج استباقي يقوده المجلس الاقتصادي الأعلى، عبر وضع خريطة طريق صناعية واضحة لمدة 5 سنوات، تتسم بالثبات والاستمرارية، ولا تتأثر بتقلبات أسعار النفط. هذه الخريطة يجب أن تُبنى على مؤشرات أداء دقيقة، تقيس التقدم في نسب التوطين، وتعزز من كفاءة سلاسل الإمداد المحلية.
إن التحديات التي نواجهها اليوم تحمل في طياتها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل نموذجنا الاقتصادي الصناعي على أسس أكثر صلابة واستدامة.
ومع ما أثبتته القيادة من حكمة وبعد نظر، وما أظهره أبناء الوطن من شجاعة وتفانٍ، فإن الطريق نحو تعزيز المحتوى المحلي وتحقيق الأمن الصناعي ليس فقط ممكناً، بل ضرورياً. ويبقى الرهان على سرعة التنفيذ، وجودة التنسيق، واستمرارية الالتزام.
رجل أعمال وكاتب اقتصادي
