منذ أن نشأت دول الخليج العربية وهي ترتبط فيما بينها بروابط مختلفة ومميزة عن الروابط المتعارف عليها بين الدول حيث تقوم أولاً على رابطة الدين الإسلامي ثم روابط القربى والنسب ليس بين الحكام فقط وإنما بين الشعوب ومن هنا يحترم الصغير الكبير ويقدر الكبير الصغير حكامًا ومواطنين..
وفي 1981 تمت صياغة هذه الروابط الفطرية الطبيعية بأسلوب سياسي فكان مولد مجلس التعاون الخليجي الذي كسب احترام معظم دول العالم لكونه منظومة تسعى بكل جد لخير شعوبها أولًا ولنشر السلام في الإقليم وفي العالم..
واستطاعت هذه المجموعة المتجانسة أن تتخطى جميع الصعوبات والأزمات التي واجهتها المنطقة بأقل الخسائر سواء كانت تلك الأزمات سياسية مثل حرب الخليج الأولى ثم الثانية وطبيعية مثل أزمة الكورونا.. وجاءت الأزمة الحالية التي فُرضت على هذه المنطقة ما اظهر مزيدا من نتائج ذلك التعاون الخليجي خاصة وقد صاحب المخاطر العسكرية تأثيرات اقتصادية تمثلت في إغلاق الممرات البحرية التي تعتمد عليها دول الخليج في تصدير منتجاتها البترولية واستيراد ما تحتاجه من بضائع غذائية وغيرها. وسارعت بلادنا التي تتمتع بمساحة جغرافية أكبر بفتح مطاراتها وموانئها وجميع الوسائل المتوفرة لديها لخدمة الدول الخليجية الشقيقة ما خفف من وقع الأزمة..
ويساعد على تحقيق ذلك تلك المشروعات العملاقة التي أُسست في وقت مبكر ومنها مثلًا خط أنابيب شرق غرب السعودية وهو شريان إستراتيجي لنقل النفط بطول 1200 كيلو متر بحيث يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر وقد تم إنشاؤه في الثمانينات الميلادية وتبلغ طاقته القصوى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا ما يجعله بديلًا حيويًا لتصدير النفط الى أوروبا وآسيا عبر البحر الأحمر.
وأخيرًا: جاء الاجتماع التشاوري الذي دعت له بلادنا وعقد في مدينة جدة الأسبوع الماضي برئاسة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ليعزز نقاط القوة في منظومة مجلس التعاون الخليجي حيث أشاد المجتمعون من قادة دول الخليج بقدرة دول المجلس على تجاوز الأزمة وإعادة تأهيل منشآت الطاقة بسرعة وكفاءة مع التأكيد على الحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة ومعالجة اضطرابات سلاسل الإمداد مع الرفض القاطع لإغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة أو فرض رسوم على عبور السفن والتأكيد على ضرورة استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز كما كانت قبل 28 فبراير 2026 ..
ومن أهم ما ورد في بيان مجلس التعاون الخليجي أن المجتمعين في القمة وجهوا بسرعة تنفيذ المشاريع الخليجية المشتركة في مجالات النقل وبالذات مشروع السكك الحديدية الخليجية ما يتيح التنقل بين دول المجلس بسهولة ويسر وكذلك التأكيد على أهمية الربط الكهربائي بين دول المجلس وكذلك مشاريع إستراتيجية لأنابيب النفط والغاز والربط المائي وتعزيز التكامل العسكري الخليجي والإسراع في تنفيذ منظومة الإنذار المبكر للصواريخ البالستية.
والخلاصة: أن مستقبل دول الخليج يبشر بمزيد من التعاون والتكامل والترابط نتيجة الاستفادة من التجارب والأزمات بما يقوي هذا الكيان الذي يملك جميع المقومات للتنمية والازدهار.
كاتب اقتصادي
