الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

ارتبط بناء الثروة خلال العقود الماضية بامتلاك العقارات، فقد كان شراء المنزل أحد أهم القرارات المالية للأسر، ووسيلة للادخار والاستثمار على المدى الطويل. لكن يبدو أن هذا المفهوم بدأ يتغير مع تزايد أهمية الأسواق المالية في تكوين ثروات الأفراد، خصوصا في الاقتصادات المتقدمة التي شهدت ارتفاعا كبيرا في قيمة الأسهم خلال السنوات الماضية.

تناولت مجلة الإيكونوميست في مقال نشرته أخيرا هذا التغير في مصادر ثروات الأسر، وتحديدا في الولايات المتحدة. ووفق تقرير لبنك جولدمان ساكس في يوليو 2026، تجاوزت حيازات الأسهم العقارات من حيث حصتها في الثروة الأمريكية، وفق المقياس الذي استخدمه البنك، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.

وهو تطور يستحق الاهتمام، خصوصا أن العقارات كانت طوال عقود أحد أهم الأصول التي تعتمد عليها الأسر في تكوين ثرواتها.

الأمر اللافت أن تزايد أهمية الأسهم لم يصاحبه تغير كبير في طبيعة توزيع الثروة. فحسب بيانات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للربع الثاني من 2026، يمتلك أغنى 10% من الأسر نحو 88% من الأسهم وحصص الصناديق المشتركة، بينما لا تتجاوز حصة النصف الأقل ثروة 0.6%. وهذه الأرقام تعطي تصورا عن حجم التفاوت في الاستفادة من ارتفاع الأسواق المالية، فكلما ارتفعت قيمة الأسهم، كانت المكاسب الأكبر من نصيب الفئات التي تمتلك الحصة الأعلى منها.

وقد أسهم انتشار التطبيقات الاستثمارية وتراجع تكاليف التداول في توسيع قاعدة المستثمرين، وأصبح بإمكان الأفراد الاستثمار بمبالغ محدودة والوصول إلى أسواق ومنتجات مالية متعددة. لكن ما يستحق الانتباه أن سهولة الاستثمار لا تؤدي بالضرورة إلى تقليص التفاوت في الثروات، فامتلاك محفظة استثمارية كبيرة يمنح صاحبها قدرة أعلى على الاستفادة من ارتفاع الأسواق وتراكم العوائد، مقارنة بمن يعتمد على جزء محدود من دخله لبناء مدخراته.

ورغم هذا التحول، لا تزال العقارات تحتفظ بمكانتها بوصفها أحد أكبر مخازن الثروة عالميا. فقد قدرت شركة سافيلز القيمة الإجمالية للعقارات بنحو 379.7 تريليون دولار بنهاية 2022، متجاوزة القيمة المجمعة لأسواق الأسهم والسندات العالمية في ذلك الوقت. وهذا يعني أن ما يحدث في الولايات المتحدة يُظهر تغيرا في الوزن النسبي للأصول داخل ثروات الأسر، دون أن يعني بالضرورة تراجع أهمية العقارات في بقية الاقتصادات.

ومن الجوانب التي تستحق النظر اختلاف الظروف التي تكونت فيها ثروات الأجيال السابقة عن الظروف الحالية. فقد استفاد كثير ممن امتلكوا العقارات في مراحل مبكرة من ارتفاع قيمتها خلال العقود الماضية، بينما يواجه بعض أفراد الأجيال الجديدة أسعارا أعلى وتكاليف تمويل أكبر. وقد يجعل هذا الاختلاف امتلاك الأصول في وقت مبكر عاملا أكثر تأثيرا في تكوين الثروة، خصوصا إذا استمرت أسعارها في الارتفاع بمعدلات تتجاوز نمو الدخول.

ولهذا التحول انعكاسات على الاستهلاك أيضا، فارتفاع قيمة المحافظ الاستثمارية قد يسهم في زيادة إنفاق الأسر التي تمتلكها، حتى لو لم ترتفع دخولها بالنسبة نفسها، وهو ما يعرف اقتصاديا بأثر الثروة. لكن هذا الأثر لا يتوزع بالتساوي، خصوصا مع تركز ملكية الأسهم لدى شريحة محدودة من الأسر، مما يجعل ارتفاع الأسواق المالية أكثر تأثيرا في قرارات الإنفاق لدى بعض الفئات مقارنة بغيرها.

ومع تزايد أهمية الأسواق المالية في تكوين الثروة، يبرز تحدٍ يتعلق بقدرة الأجيال الجديدة على بناء ثرواتها مقارنة بالأجيال السابقة. فرغم توسع الخيارات الاستثمارية وسهولة الوصول إليها، لا تزال ملكية الأصول وحجم رأس المال من العوامل المؤثرة في تراكم الثروة.

وفي ظل ارتفاع أسعار الأصول بمعدلات تفوق نمو الدخول، قد تتسع الفجوة بين من يمتلكون الأصول ومن يسعون إلى امتلاكها، وهو ما قد يغير طريقة تكوين الثروة خلال السنوات المقبلة.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية