الخميس, 15 أكتوبر 2026|3 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

خلال الأعوام الماضية، كان البناء والتوسع من أبرز ملامح استثمارات صندوق الاستثمارات العامة. دخل الصندوق قطاعات جديدة، وأسس شركات ومشاريع كبرى، وبنى محفظة استثمارية محلية وعالمية واسعة. وكان ذلك ضروريا لخلق قطاعات جديدة وتحريك النشاط الاقتصادي وبناء قاعدة استثمارية تدعم التحول الذي يشهده الاقتصاد السعودي.

لكن إستراتيجية الصندوق 2026–2030 تكشف عن تحول آخر يستحق التوقف عنده. فبعد سنوات من التوسع وبناء الأصول، أصبح التركيز أكبر على تحسين الأداء وتعظيم العائد ورفع كفاءة الاستثمار والاستفادة بصورة أكبر مما تم بناؤه.

الأرقام توضح حجم ما تحقق في مرحلة البناء. فقد تجاوزت أصول الصندوق تحت الإدارة 3.4 تريليون ريال في 2025، وبلغت استثماراته المحلية في المشاريع الجديدة نحو 750 مليار ريال خلال الفترة من 2021 إلى 2025، كما وصلت مساهمة أنشطة الصندوق إلى نحو 11% من الناتج المحلي غير النفطي في 2025.

ومع هذا الحجم، من الطبيعي أن يتغير التركيز. فالسؤال لم يعد مرتبطا فقط بحجم الأموال التي يمكن استثمارها أو عدد الشركات التي يمكن تأسيسها، وإنما بما يمكن أن تحققه هذه الاستثمارات من عائد وقيمة خلال السنوات المقبلة. في مرحلة التوسع، كان تأسيس الشركات والدخول في قطاعات جديدة يتطلب ضخ رأسمال كبير وتحمل مخاطر البداية. أما اليوم، فقد وصل عدد من هذه الاستثمارات إلى مستوى يحتاج إلى نوع مختلف من الإدارة، يركز أكثر على الأداء والكفاءة والقدرة على تحقيق عائد مستدام.

ويظهر ذلك في توزيع استثمارات الصندوق بين 3 محافظ استثمارية رئيسية. محفظة الرؤية تركز على بناء 6 منظومات اقتصادية مترابطة وتعظيم قيمة شركات الصندوق وفتح فرص أكبر لمشاركة القطاع الخاص. أما المحفظة الإستراتيجية فتركز على إدارة الأصول الإستراتيجية وتعظيم عوائدها وأثرها الاقتصادي، إلى جانب جذب الاستثمارات ودعم الشركات الوطنية للتوسع عالميا. فيما تركز المحفظة المالية على تحقيق عوائد مالية مستدامة وتنويع استثمارات الصندوق في الأسواق العالمية.

هذا التقسيم يوضح اختلاف دور استثمارات الصندوق. فهناك استثمارات ما زال دورها مرتبطا ببناء قطاعات جديدة، بينما أصبح التركيز في استثمارات أخرى أكبر على الأداء والعائد. وتبدو هذه الفكرة أوضح في الشركات التي وصلت إلى مستوى أكبر من النضج. فبعد تأسيس الشركة وتطوير أعمالها، لا يكون ضخ مزيد من الأموال هو الخيار الوحيد. يمكن تحسين أدائها، أو إدخال مستثمرين جدد، أو طرح جزء منها في السوق.

ومع نضج بعض هذه الأصول، يصبح من الممكن توجيه جزء من رأس المال إلى فرص أخرى، وهو ما يعطي الصندوق مرونة أكبر في إدارة استثماراته والاستفادة من القيمة التي تم بناؤها خلال السنوات السابقة. كما تصبح مشاركة القطاع الخاص أكثر أهمية، سواء كمستثمر أو شريك. فنجاح بعض الشركات في جذب رأسمال من السوق يقلل اعتمادها على تمويل المساهم، ويعطيها قدرة أكبر على الاستمرار والنمو.

ومع انتقال الصندوق إلى هذه المرحلة، ستصبح كفاءة الأصول وقدرتها على تحقيق العائد أكثر حضورا في تقييم الأداء، إلى جانب حجم الاستثمار نفسه. وهو تحول يُظهر نضجا أكبر في إدارة الاستثمارات بعد سنوات كان التركيز فيها على البناء والتوسع.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية