منحت المادة الرابعة من لائحة خدمات السفر والسياحة المعدّلة فئة "خدمات سفر وسياحة عام" صلاحية إعداد البرامج السياحية، وتنفيذها داخل المملكة، ثم أفردت لها ممارسات أخرى، منها ترتيب خدمات النقل والاستقبال والتوديع، والحجوزات والزيارات، والتموين ضمن البرامج السياحية، وخدمات النقل المستأجرة. فإذا كان البرنامج مجموعة من خدمات السفر والسياحة، فلماذا أفردت اللائحة هذه الممارسات بعد منحها إعداد الكل؟
وعرّفت اللائحة "خدمات السفر والسياحة" تعريفًا واسع النطاق، وحددت فئتي الترخيص: "وكالة سفر وسياحة" و"خدمات سفر وسياحة عام"، وأجازت لكل منهما تقديم "خدمة واحدة أو أكثر"، لكنها حددت الممارسات وما تقع عليه؛ فلا يجوز إسقاط الفعل والإبقاء على ما يقع عليه. فـ"ترتيب خدمات النقل والاستقبال والتوديع" يختلف عن "خدمات النقل والاستقبال والتوديع"، و"تسويق و/ أو بيع تذاكر السفر البري أو البحري أو الجوي، والخدمات المرتبطة بها" لا يساوي "بيع التذاكر".
ومن هنا يتحدد الفرق بين الكل وأجزائه ومفرداته؛ فالبرنامج السياحي، وفق تعريف اللائحة، مجموعة من خدمات السفر والسياحة تُعد و/أو تُنفذ بمقابل أجر خلال فترة زمنية معينة. ويشرح الدليل إعداده بتحديد أجزائه وتنسيق خدماته ومقدميها؛ فالخدمة لا تُعدّ برنامجًا لمجرد أنها جزء منه، ولا تفقد استقلالها بوصفها خدمة، وإن كانت ممارستها محكومة بصلاحيات الترخيص. ولو كان تقديم أكثر من خدمة يُعد إعدادًا لبرنامج، لما أجازت المادة للوكالة تقديم "خدمة واحدة أو أكثر"، ثم خصّت فئة "عام" بإعداده.
وتظهر دقة اللائحة في أدوات الصياغة؛ فقد جمعت بالواو "النقل والاستقبال والتوديع" و"الحجوزات والزيارات" تحت ممارسة الترتيب، واستخدمت "و/أو" للانفراد أو الاجتماع. وأدوات المنظم لا تُقرأ كما لو كانت واحدة. ويتضح الفرق في "الشارتر"؛ إذ أفردت لفئة "عام" ترتيب خدمات النقل المستأجرة بالتنسيق مع مزوديها، دون أن يعني ذلك بذاته انفرادها بتسويق تذاكر مقاعدها أو بيعها. وهكذا تتمايز ممارسات إعداد الكل وترتيب الجزء وبيع المفرد.
غير أن هذه الدقة تضطرب في الدليل؛ ففهرسه يسمي فئتي الترخيص "فئات نشاط خدمات السفر والسياحة"، ثم يعنونهما "فئات ترخيص خدمات السفر والسياحة"، بينما ترد "فئة نشاط" في متطلبات السجل التجاري، مع أسماء الأنشطة ورموز "التصنيف الوطني للأنشطة الاقتصادية". والمفارقة أن الوكالة مأذون لها ببيع البرامج السياحية دون اشتراط رمز "تنظيم الرحلات السياحية" (791223)، بينما يُشترط لفئة "عام" هذا الرمز إلى جانب رمز "وكالات السفر والسياحة" (791101)، دون أن يصبح الرمزان فئتي ترخيص. فالتصنيف الاقتصادي لا يحدد بذاته صلاحيات الممارسة؛ فالمادة الرابعة أدرجت الفئتين تحت نشاط "خدمات السفر والسياحة" وحددت ممارسات كل منهما.
ويتكرر اضطراب التسميات؛ فترد في الدليل عبارتا "مقر خدمات السفر والسياحة" و"مقر المرفق خدمات السفر والسياحة"، رغم تعريف اللائحة "مرفق خدمات السفر والسياحة" بأنه مكان ممارسة النشاط. ويستخدم عند شرح البرنامج "الأنشطة" و"العناصر والخدمات المكونة للبرنامج"، دون تمييز واضح بين مفرداته ومصطلحات النشاط السياحي والاقتصادي. وقد تبدو هذه التفاصيل تحريرية، لكنها ليست هامشية في دليل يُفترض أن يضبط المصطلحات التي يفسر بها حدود الممارسة.
وفي شرح التأمين، مثلًا، يُبقي الدليل "البيع" في عنوان "ترتيب و/أو بيع خدمات التأمين للسائح"، ثم يستبدله بـ"التقديم" في الشرح. فإن كان التقديم مرادفًا للبيع، فلماذا عُدل عن لفظ المنظم؟ وإن كان ممارسة مختلفة، فأين سندها؟ فالأفعال تضبط حدود الصلاحيات، وليست ألفاظًا قابلة للاستبدال دون أثر.
ويتجاوز الإشكال الألفاظ إلى الصلاحيات؛ ففي شرح ترتيب الحجوزات والزيارات، يربط الدليل تنسيقها بـ"البرنامج السياحي المعد"، مع أن المادة الرابعة أفردتها ممارسة مستقلة لفئة "عام"، دون اشتراط وجود برنامج. وحين أرادت اللائحة ربط ممارسة بالبرنامج، نصّت صراحة على "ترتيب خدمات التموين وتوفير الأطعمة والمشروبات في البرامج السياحية". فهل يشرح الدليل صورة من ترتيب الحجوزات والزيارات، أم يوحي بأن وجود البرنامج شرط لها دون نص مماثل؟
ولا يقف الإشكال عند ربط الجزء بالكل؛ بل يمتد إلى مصدر الكل نفسه، إذ يصف الدليل البرامج السياحية الجاهزة بأنها المعدّة من مقدمي خدمات فئة "عام"، مع أن المادة الرابعة أجازت للوكالة تسويق البرامج وبيعها داخل السعودية وخارجها، دون اشتراط هذه الفئة في الجهة المعدّة. كما تنظم المادة الثامنة عشرة التعامل مع مقدمي الخدمات المرخصين أو المصرح لهم أو المسجلين لدى الجهات المختصة. فهل يصبح ترخيص "عام" شرطًا لمصدر البرنامج الجاهز، حتى لو أُعد خارج المملكة؟ وأين سند هذا القيد في اللائحة؟
أما الإشكال الأشد أثرًا، فيظهر عند شرح الخدمات المرتبطة بتذاكر السفر؛ إذ يعدد الدليل إصدار التذاكر وإعادة إصدارها، وتأكيد الحجوزات وتعديلها وإلغائها، وخدمات المقاعد والأمتعة، ثم يُلحق بها "الخدمات المساندة ذات الصلة المباشرة بعملية السفر". وأغلب الأمثلة يدور حول التذكرة، بينما قد يستتبع تغيير الرحلة تعديل موعد تسليم سيارة أو حجز إقامة. بل إن بعض شركات النقل تسوّق الإقامة والتنقل والزيارات إلى جانب التذاكر، بما يكشف التداخل بين خدمات التذكرة والخدمات المرتبطة بها وغيرها من الخدمات المتصلة بالسفر، دون أن تكون مترادفة.
وهنا مكمن الإشكال؛ فالدليل لا يبيّن الحد الفاصل بين الخدمات المرتبطة بالتذكرة وغيرها من الخدمات المتصلة بالسفر، بما قد يوحي بتضييق صلاحيات كل فئة. والأمثلة لا تحصر ما أجازته اللائحة. وفي غياب هذا التمييز، قد ينشأ نزاع رقابي يستند فيه المرخص له إلى اللائحة لإثبات صلاحياته، والمفتش إلى تفسير الدليل لإثبات المخالفة؛ فتغدو الممارسة الواحدة جائزة بنص اللائحة ومخالفة بقراءتها في الدليل. فهل انطلق الدليل من بيان حدود الإذن الذي قررته اللائحة، أم غلب عليه منطق ضبط النشاط حتى التبس الشرح بالتقييد؟
وللتفسير الضيق ثمن اقتصادي؛ فقد يرفع تكاليف التشغيل بتعدد الوسطاء، ويخل بتكافؤ الفرص بين المنشآت المرخصة، ويحد من تنويع إيراداتها وتوسعها، ويشتت المسافر بين مقدمي الخدمات. والأخطر أن غموض حدود الترخيص قد يزيد المخاطر الاستثمارية ويثبط الاستثمارات الجديدة، بما قد ينعكس على نمو القطاع ومساهمته في الناتج المحلي وفرص العمل. فكيف يُراد للسياحة أن تتسع مساهمتها في الاقتصاد الوطني، بينما تضيق فرص ممارستها بتفسير لم تقرره اللائحة؟
أجازت اللائحة للوكالة تسويق البرنامج السياحي وبيعه دون إعداده، ولفئة "عام" إعداده وترتيب الحجوزات والزيارات كممارستين مستقلتين. فلماذا يوحي الدليل بأن ترتيب الجزء مشروط بوجود الكل، وأن بيع الكل مقصور على ما تعدّه فئة "عام"؟ وما الذي يضمن ألا تتحول أمثلة الشرح عند التطبيق والرقابة إلى قيود على صلاحيات رسمتها المادة الرابعة لكلتا الفئتين؟ فاللائحة سند الترخيص، والدليل ليس لائحة أخرى؛ هو فقط يحتاج إلى دليل لفهم حدود الكل وأجزائه ومفرداته!
كاتبة متخصصة في قطاع السفر والسياحة
