الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 10 أبريل 2026 | 22 شَوَّال 1447
Logo

الاكتتاب ليس شهادة نجاح

محمد الماضي
الجمعة 10 أبريل 2026 13:13 |2 دقائق قراءة

ما جرى في السوق السعودية خلال 2025 لا يعني ضعف السوق، بل يكشف أن فهمنا للاكتتاب كان مبالغاً فيه. فمعظم الشركات التي دخلت السوق لم تستطع الحفاظ على زخمها بعد الإدراج، إذ تراجعت أسهم 13 شركة، مقابل 3 شركات فقط سجلت ارتفاعاً. هذه الأرقام وحدها كفيلة بإعادة تعريف ما يعنيه الاكتتاب.

لفترة طويلة كان الاكتتاب يُقدَّم كعلامة نجاح، حيث تصل الشركة إلى السوق وتجمع السيولة وترتفع في أول أيام التداول وكأنها أثبتت نموذجها، لكن الحقيقة أن الاكتتاب ينجح في جذب المال أكثر مما يثبت قدرة الشركة على النمو والاستمرار.

قبل الإدراج تُبنى القصة حول سوق كبيرة وخطة توسع ونمو مقنعة، فيشتري المستثمر الإمكانات، لكن بعد الإدراج تتغير المعادلة، فالسوق لا تسأل عمّا قيل بل عمّا تحقق، وهنا تظهر الفجوة.

المشهد لا يختلف عالمياً. ففي السوق الأمريكية خلال 2025، بدا أداء الاكتتابات جيداً في ظاهره، بعائد يقارب 10.7% مقابل 8.2% للسوق، لكن هذا الأداء يخفي تبايناً أكبر عند التعمق. فعند استبعاد شركات التقنية ينخفض العائد إلى نحو 5.5%، ما يكشف أن الأداء لم يكن عاماً، بل متركزاً في عدد محدود من الشركات.

كما أن الزخم الأولي كان لافتاً، بمتوسط ارتفاع بلغ 15.7% في أول يوم تداول، لكنه لم يستمر بالوتيرة نفسها لاحقاً، ما يُظهر نمطاً متكرراً؛ حماس في البداية، ثم عودة سريعة إلى اختبار الأداء الفعلي.

المشكلة ليست في الاكتتاب نفسه، بل في المرحلة التي تليه. فكثير من الشركات تنجح في تسويق قصتها للمستثمرين، لكنها تتعثر حين تنتقل إلى واقع الشركة المدرجة، حيث لا يعود التوسع وحده كافياً، لأن السوق تبدأ في مساءلة تكلفته وأثره في الهوامش والربحية، ويتحول الإنفاق من أداة للنمو إلى بند يحتاج إلى تبرير دائم، وتصبح التوقعات التزاماً لا مساحة للمناورة فيه. عند هذه النقطة، لا يعود النمو ميزة بحد ذاته، بل اختباراً لقدرة الشركة على إدارته.

وفي المقابل، تغيّرت السوق نفسها. لم تعد تكافئ النمو لمجرد أنه نمو، ولم تعد تمنح الشركات وقتاً طويلاً لإثبات نفسها. التقييم اليوم لا يُبنى على حجم الفرصة بقدر ما يُبنى على جودة التنفيذ. لذلك، أي فجوة بين القصة التي تطرحها الشركة والنتائج التي تحققها لا تبقى طويلاً، بل تظهر سريعاً وتعيد السوق تسعيرها مباشرة.

حتى المستثمر تغيّر. لم تعد الاكتتابات تُنظر إليها بوصفها فرصاً سهلة لمكاسب سريعة، بل كاختبار مبكر لقدرة الشركة على الاستمرار بعد الإدراج. الزخم الأولي لم يعد كافياً، كما أن القصة وحدها لم تعد تكفي لإقناع السوق.

لهذا، الاكتتاب ليس لحظة تتويج، بل بداية مرحلة أكثر صرامة. من هنا تبدأ المواجهة الحقيقية مع السوق، حيث لا تُختبر جودة الوعود، بل القدرة على تحويلها إلى نتائج، ولا يُكافأ النمو لذاته، بل بقدر ما يتحول إلى قيمة. دخول السوق ليس هو الاختبار الحقيقي، بل ما إذا كانت الشركة قادرة على تحويل الوعود إلى نتائج.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية