الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


د. نوف البلوي

عوملت الاستدامة لسنوات  داخل الشركات باعتبارها امتدادًا للمسؤولية الاجتماعية: مبادرات مجتمعية، وحملات بيئية، ثم تقرير سنوي تعده إدارة الاستدامة أو الاتصال المؤسسي. كان هذا النموذج مقبولًا عندما كانت الاستدامة نشاطًا طوعيًا منفصلًا عن القرارات التجارية الأساسية، لكنه لم يعد يمثل الواقع القانوني والاقتصادي للشركات اليوم.

فالاستدامة لم تعد سؤالًا عن المبادرات التي تنفذها الشركة، بل عن قدرتها على الاستمرار وتحقيق القيمة في ظل تغير الأنظمة والأسواق والمناخ وتوقعات المستثمرين. ولهذا انتقلت من نطاق المسؤولية الاجتماعية إلى نطاق حوكمة مجلس الإدارة.

في السعودية تؤكد الأنظمة واللوائح المنظمة للشركات المدرجة التزام أعضاء مجلس الإدارة بالعمل لمصلحة الشركة، وتعزيز نجاحها وتنميتها وتعظيم قيمتها على المدى الطويل، إلى جانب الإشراف على الإستراتيجية والرقابة الداخلية وإدارة المخاطر والالتزام بالأنظمة ودقة المعلومات المفصح عنها.

لا تنشئ هذه الأحكام واجبًا قانونيًا مستقلًا يسمى «واجب الاستدامة»، لكنها تعني أن القضية البيئية أو الاجتماعية تدخل في نطاق مسؤولية المجلس متى أصبحت مؤثرة في قيمة الشركة أو تمويلها أو عملياتها أو سلسلة إمدادها. فالاستدامة لا تحتاج إلى باب قانوني مستقل حتى تصبح من اختصاص المجلس؛ يكفي أن تظهر في صورة خطر مالي أو تشغيلي أو تنظيمي أو تعاقدي.

فشح المياه ليس مسألة بيئية مجردة بالنسبة إلى شركة صناعية تعتمد عليه، بل خطر على الإنتاج والتكاليف وقيمة الأصول. وحقوق العمال في سلسلة الإمداد قد تكون شرطًا تعاقديًا لدخول سوق أو الاحتفاظ بعميل عالمي. والانبعاثات ليست مجرد أرقام في تقرير إذا أصبحت مؤثرة في تكلفة المنتج أو التمويل أو النفاذ إلى الأسواق. عندما تنتقل القضية من السمعة إلى التدفقات النقدية واستمرارية الأعمال، فإنها تنتقل إلى طاولة مجلس الإدارة.

وهذا هو المنطق الذي تقوم عليه معايير الإفصاح الدولية الحديثة، التي تنظم الإفصاح حول الحوكمة والإستراتيجية وإدارة المخاطر والمقاييس والأهداف، وتطلب توضيح دور مجلس الإدارة في الإشراف، وكيف تندمج مخاطر الاستدامة في القرارات والإستراتيجية.

والأهم أن هذه المعايير تربط الاستدامة بالتدفقات النقدية والوصول إلى التمويل وتكلفة رأس المال، لا بالخطاب الأخلاقي وحده. فالمستثمر يريد معرفة أثر المخاطر البيئية والاجتماعية في قيمة الشركة، والبنك يريد تقييم مدى تعرض المقترض لتغير الأنظمة أو اضطرابات سلسلة الإمداد، وشركة التأمين تريد تقدير احتمالات الخسائر، بينما يريد العميل الدولي التأكد من أن المورد لا يعرضه لمخالفة تنظيمية أو ضرر في السمعة. وبذلك تتحول الاستدامة إلى عنصر في قرارات التمويل والتأمين والتعاقد والاستثمار.

كما أن المخاطر التي لا يديرها المجلس قد تظهر في تكلفة الائتمان وشروط التمويل وقيمة الأصول والعقود. وقد بينت دراسات اقتصادية وجود ارتباط بين التعرض للدعاوى المناخية وارتفاع تكلفة القروض وانخفاض آجالها وأحجامها، بما يوضح أن الخطر القانوني المرتبط بالاستدامة يمكن أن يتحول إلى تكلفة مالية قابلة للقياس.

ولا ينشأ الخطر فقط من ضعف الأداء، بل أيضًا من الإفصاح غير الدقيق. فعندما تنشر الشركة أهدافًا أو ادعاءات بيئية واجتماعية لا تستند إلى قرارات وميزانيات وضوابط موثوقة، تتحول الاستدامة إلى مصدر محتمل للمساءلة القانونية والرقابية.

ولهذا لا ينبغي للمجلس أن يتعامل مع تقرير الاستدامة بوصفه منشورًا اتصاليًا تعده إدارة العلاقات العامة، بل باعتباره إفصاحًا صادرًا باسم الشركة يمكن أن يؤثر في المستثمرين والعملاء والممولين والجهات التنظيمية. ولا تتمثل مسؤولية المجلس في كتابة التقرير، بل في التأكد من أن محتواه يمثل واقع الشركة. فعليه أن يعرف المخاطر الجوهرية، وكيف تؤثر في الإستراتيجية وتخصيص رأس المال، ومن يملك البيانات، وما الضوابط التي تضمن دقتها.

كما يجب النظر في الاستدامة قبل اعتماد الاستثمارات والصفقات، لا بعد اتخاذها. فلا قيمة لتعهد بخفض الانبعاثات إذا كانت الاستثمارات الرأسمالية تناقض هذا المسار، ولا تكفي سياسة لحقوق الإنسان إذا لم تؤثر في اختيار الموردين والعقود وآليات الشكاوى.

ولا يعني ذلك أن تنشئ كل شركة لجنة مستقلة للاستدامة. فقد تتولى المهمة لجنة المخاطر أو المراجعة أو لجنة متخصصة، بحسب حجم الشركة وقطاعها. المهم هو وضوح المسؤوليات، وانتظام المعلومات المقدمة إلى المجلس، وربط مخاطر الاستدامة بالإستراتيجية والرقابة والحوافز.

ويظل قسم الاستدامة مهمًا في جمع البيانات والتنسيق وإعداد التقارير. لكنه لا يقرر وحده تغيير مورد إستراتيجي، أو تعديل استثمار رأسمالي، أو قبول تكلفة امتثال إضافية، أو الانسحاب من سوق. فهذه قرارات تتعلق برأس المال وشهية المخاطر واتجاه الشركة، ولذلك تقع على عاتق الإدارة العليا ومجلس الإدارة.

لم يعد السؤال إذن: هل تحتاج الشركة إلى قسم للاستدامة؟ بل: هل أصبح مجلس إدارتها قادرًا على إدارة أبعاد الاستدامة القانونية والمالية والإستراتيجية؟ فقسم الاستدامة ينسق العمل، لكن المجلس يملك القرار. والإدارة تعد التقرير، لكن المجلس مسؤول عن كون الرواية المنشورة متوافقة مع حقيقة الشركة.

مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية