لطالما هيمن نموذج الاستحواذ المباشر على صفقات الملكية الخاصة في السعودية، وكان ذلك متسقاً مع طبيعة السوق المحلية وثقافة الشركات العائلية وبعض الصناديق ووفرة السيولة وتفضيل المستثمرين للاحتفاظ طويل الأجل، غير أن التحولات الاقتصادية العالمية بالتوازي مع التغيرات الهيكلية التي تقودها رؤية السعودية 2030 تفرض اليوم إعادة طرح سؤال أساسي: هل لا يزال هذا النموذج كافيًا لمرحلة السوق الحالية؟
التشدد النقدي العالمي وارتفاع أسعار الفائدة جعلا رأس المال أكثر تكلفة وانتقائية وقلصا هوامش الخطأ في هيكلة الصفقات. في مثل هذه البيئة لم يعد ضخ حقوق ملكية كبيرة في كل صفقة خياراً مريحا بل أصبح عبئا على العائد، هنا تبرز الاستحواذات المدعومة بالاقتراض (LBOs) كأداة تتيح رفع كفاءة استخدام رأس المال وتعظيم العائد على حقوق المساهمين متى ما استخدمت بانضباط.
ثقافة الملكية الخاصة في السعودية اتسمت تاريخياً بالحذر تجاه الرافعة المالية انطلاقا من الحرص على السمعة والاستقرار وتجنب المخاطر، ورغم أهمية هذا النهج في بناء الثقة خلال مراحل تطور السوق إلا أن استمراره بصيغته التقليدية بات يحد من تطور القطاع، فالأسواق لا تنضج بتجنب المخاطر بالكامل بل بتسعيرها وإدارتها بوعي، ولا تتطور العوائد دون استخدام أدوات مالية أكثر كفاءة.
يتزامن هذا التحول مع تطور ملحوظ في أسواق الدين السعودية سواء من حيث التنظيم أو تنوع الأدوات بما في ذلك الصكوك والسندات والتمويل المهيكل، هذا التطور لا يخدم الحكومة وكبرى الشركات فحسب بل يفتح المجال أمام صفقات ملكية خاصة تعتمد على هياكل تمويل أكثر تطورا وتقلل الاعتماد على رأس المال الذاتي وحده، ومع تعمق السوق لم يعد استخدام الرافعة المالية ممارسة استثنائية بل خيارا متاحاً يمكن توظيفه بانضباط.
وتزداد أهمية هذا التحول مع تنامي اهتمام المستثمرين الأجانب بالسوق السعودية، فهؤلاء ينظرون إلى الفرص الاستثمارية من منظور يركز على معدل العائد الداخلي IRR والكفاءة التشغيلية وإمكانات التوسع المالي مع شهية أعلى لاستخدام الرافعة المالية، وللمحافظة على جاذبية السوق السعودية لرأس المال العالمي يصبح من الضروري مواءمة نماذج الصفقات مع هذه التوقعات دون الإخلال بخصوصية السوق أو تجاهل اعتبارات الاستدامة.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على جذب المستثمرين فحسب بل يمتد إلى موقع السوق السعودية في خريطة الملكية الخاصة العالمية، فالمنافسة الدولية على رأس المال والأصول التشغيلية عالية الجودة باتت محتدمة، والاعتماد الحصري على نماذج الاستحواذ المباشر يضع السوق في موقع أقل تنافسية مقارنة بالأسواق التي توفر طيفا أوسع من هياكل الصفقات القادرة على تحقيق عوائد أعلى باستخدام رأسمال أقل.
وتبرز الاستحواذات المدعومة بالاقتراض بشكل خاص في قطاعات سعودية تتمتع بتدفقات نقدية مستقرة ونمو قابل للتوقع مثل قطاع الطاقة خصوصا الطاقة المتجددة وقطاع الرعاية الصحية وقطاع التكنولوجيا للشركات التي تجاوزت مرحلة النمو الأولي، هذه القطاعات تمتلك المقومات الأساسية لنجاح صفقات الـ LBO من وضوح التدفقات النقدية إلى فرص تحسين الهوامش.
في المحصلة لا تحتاج سوق الملكية الخاصة في السعودية إلى التخلي عن الاستحواذ المباشر والنماذج السائدة الأخرى بل إلى استكماله بتفعيل نموذج الاستحواذ المدعوم بالاقتراض كأداة مرحلية تفرضها بيئة التمويل الحالية ومتطلبات التنافسية العالمية، فالـ LBO لم يعد خيارًا نظرياً بل تطوراً طبيعيا لسوق أكثر نضجاً، حيث تدار المخاطر بوعي ويستخدم رأس المال بكفاءة أعلى وتبنى العوائد على أسس مالية أكثر انضباطا.
كاتب متخصص في الملكية الخاصة والاستثمار
