الاثنين, 5 أكتوبر 2026|22 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

بدأ الوقت ينفد أمام الاتحاد الأوروبي لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي طرحها ماريو دراجي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، قبل عامين. وإذا أخفق التكتل في ذلك، فإنه يواجه احتمال تراجع نسبي طويل الأمد، ليتحول إلى لاعب ثانوي على الساحة العالمية.

وقد حدد التكتل نهاية 2027 موعداً نهائياً لتنفيذ العناصر الرئيسية لخطة دراجي، التي تشمل سوقاً موحدة متكاملة تضم أسواق رأس المال واتحادات للطاقة، وزيادة في الاقتراض المشترك، وتقليص متطلبات الحصول على إجماع الدول الأعضاء للموافقة على الإصلاحات الكبرى.

وحتى شهر يوليو، لم ينفذ الاتحاد الأوروبي سوى 15.7% من مقترحات دراجي بالكامل، بينما جرى التعامل جزئياً مع نحو 40% أخرى منها، وذلك وفقاً لبيانات "مجلس ابتكار السياسات الأوروبية".

وإذا ركزنا على الإجراءات الأكثر جذرية - وبالتالي الأكثر أهمية - مثل أسواق رأس المال والطاقة الموحدة، فإن الصورة تبدو أسوأ؛ إذ لم ينجح الاتحاد الأوروبي في إقرار تشريعات إلا لـ 3% فقط من تلك الإجراءات، وفقاً لمركز الأبحاث الفرنسي "معهد مونتين". ولا يمكن للمفوضية الأوروبية تمرير هذه الإجراءات إلا بموافقة جميع الدول الأعضاء، وهي مهمة شاقة للغاية.

وقد تزيد أجندة الانتخابات الأوروبية المرتقبة من صعوبة هذا الأمر؛ فمن غير المرجح أن تبدي الحكومات التي تستعد لمواجهة الناخبين حماساً للتنازل عن مزيد من السيادة، وإذا أفرزت هذه الانتخابات قادة أقل ميلاً للإصلاح، فقد يبدأ نسيج التكامل الأوروبي في التفكك.

التوجه نحو صناديق الاقتراع

تأتي فرنسا في مقدمة الدول التي ستشهد انتخابات، وذلك في شهر أبريل.

ويسابق الاتحاد الأوروبي الزمن حالياً لوضع اللمسات الأخيرة على الميزانية طويلة الأجل المقبلة للتكتل (للفترة 2028-2034) قبل إجراء هذه الانتخابات، خشية أن تسفر عن صعود حكومة يمينية متطرفة بقيادة مارين لوبان. على الرغم من أن حزب "التجمع الوطني" بقيادة لوبان قد تخلى عن طموحه بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فإنه لا يزال يعبر عن رغبته في تقليص مساهمة فرنسا في ميزانية التكتل والانسحاب من جوانب رئيسية في سياسة الطاقة، فضلاً عن إعادة فرض الرقابة على الحدود.

ومن المقرر إجراء انتخابات في كل من إسبانيا وإيطاليا وبولندا في وقت لاحق من 2027. وقد تزيد هذه الانتخابات من تعقيد جهود الإصلاح؛ إذ قد يتردد القادة في دعم تدابير إصلاحية -وإن كانت حكيمة- تتطلب التنازل عن جزء من السيادة الوطنية، وذلك قبيل التوجه إلى صناديق الاقتراع مباشرة.

ثم تأتي ألمانيا؛ ففي حين أن الائتلاف الحاكم في البلاد مستمر في السلطة حتى عام 2029، فإن تصاعد الدعم لحزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف -الذي يؤيد توثيق العلاقات مع روسيا وفرض قيود صارمة على الهجرة- قد يعرقل جهود الإصلاح في أكبر اقتصاد داخل التكتل.

لقد أظهرت ألمانيا، في ظل قيادة المستشار فريدريش ميرتس، طموحاً أكبر في أجندتها الإصلاحية مقارنة بمعظم جيرانها حتى الآن. فمنذ توليه منصبه العام الماضي، قام ميرتس بتخفيف قيود "كابح الديون" الألماني -وهي قاعدة مالية طالما أعاقت النمو- للسماح بزيادة حادة في الإنفاق الدفاعي وإنشاء صندوق للبنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو. وتلا ذلك خطط لتحديث شبكة الكهرباء في البلاد، إلى جانب إصلاحات في أنظمة التقاعد والضرائب وسوق العمل.

ورغم أن الإنفاق حظي بقبول شعبي، فإن تدابير الإصلاح الأخرى -مثل تشديد القواعد المتعلقة بإجازات العمال المرضية ومكافحة إساءة استخدام نظام الرعاية الاجتماعية، والرفع التدريجي لسن التقاعد الحكومي- لم تحظَ بذلك إطلاقاً، وهو ما أكدته نتائج الانتخابات الأخيرة.

وفي هذا السياق، كتب كارستن برزيسكي، كبير الاقتصاديين في بنك "آي إن جي"، تعليقاً على الخسائر الفادحة التي مني بها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم في الانتخابات الإقليمية وسط تصاعد الدعم لحزب "البديل من أجل ألمانيا": "الخلاصة الرئيسية هي أن الألمان لا يريدون إصلاحات، بل يفضلون البقاء في واقع راهن لا يتغير أو العودة إلى الماضي".

على الرغم من أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" لم يحقق بعد أي أغلبية تمكنه من الحكم، ومن المرجح أن يواجه صعوبة في العثور على شركاء لتشكيل ائتلاف حكومي، فإن صعوده السريع خلال العقد الماضي ليصبح الحزب الأكثر شعبية في استطلاعات الرأي بألمانيا أمر لا يمكن تجاهله؛ ولا سيما وأن شعبيته قد تدفع الحزب الحاكم إلى إبطاء وتيرة الإصلاحات التي تبدو وكأنها تنتقص من السيادة الوطنية.

اختبارات حاسمة

يسود شعور ملموس بضرورة التحرك العاجل بين مسؤولي الاتحاد الأوروبي. فقد صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الشهر الماضي خلال خطابها السنوي حول "حالة الاتحاد" أمام البرلمان الأوروبي قائلة: "عندما تخدم المشاريع المصالح الإستراتيجية لأوروبا، يتعين علينا تسريع وتيرتها بشكل هائل". ومع ذلك، يبدو أن هناك حماسة محدودة لفكرة تجميع الصلاحيات أو تقاسم السلطة.

ويبدو أن دعوة دراجي لزيادة الاقتراض المشترك في منطقة اليورو قد وُئدت في مهدها بالفعل. وستتمثل الاختبارات الرئيسية الآن في مدى قدرة قادة الاتحاد الأوروبي على إنجاز "اتحاد للادخار والاستثمار" و"اتحاد للطاقة".

ومن شأن إنشاء سوق موحدة لرأس المال أن يساعد التكتل على الاستفادة من مدخرات الأسر الأوروبية التي تبلغ 35 تريليون يورو، وهي مدخرات موزعة على الدول الأعضاء السبع والعشرين وغالباً ما تُستثمر في الخارج.

كما أن الجهود الموازية لتبسيط النظام التنظيمي المشتت قد تحقق مكاسب كبيرة؛ إذ قدّر تحليل أجراه صندوق النقد الدولي في شهر أبريل أن أجندة الإصلاح هذه يمكن أن ترفع الإنتاجية الأوروبية بنسبة 20% على مدى عقد من الزمن.

تُعد إصلاحات قطاع الطاقة ركيزة أساسية في أجندة تعزيز القدرة التنافسية هذه. ويُقدّر البنك المركزي الأوروبي أن التبني السريع للذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية الاتحاد الأوروبي بنسبة تصل إلى 4% على مدى عقد من الزمن. ومع ذلك، فإن إنشاء وتشغيل مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يتحقق بفاعلية إلا إذا استند إلى تدفق سلس للكهرباء عبر الحدود الوطنية لدول الاتحاد الأوروبي وبأسعار تنافسية.

وقد حذرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاجارد، أخيراً من أن التكتل يواجه خياراً صعباً: إما تفويت فرصة طفرة الذكاء الاصطناعي تماماً، أو الوقوع في فخ الاعتماد المفرط على دول أجنبية - ولا سيما الولايات المتحدة والصين - للحصول على المكونات التكنولوجية الحيوية.

وفي غياب أي تقدم، فمن شبه المؤكد أن تتسع فجوة الإنتاجية مع الولايات المتحدة، ومن المرجح أن تضعف قدرة قطاع التصنيع في الاتحاد الأوروبي أكثر فأكثر أمام المنافسين الصينيين الأقل تكلفة، كما سيضطر التكتل حتماً إلى مواصلة استيراد المدخلات التكنولوجية الحيوية من الخارج.

لطالما اتسم الاتحاد الأوروبي بالحذر وتأخر في المضي قدماً نحو الإصلاحات، إلا أن الاستمرار في هذا النهج الآن قد يكون واحداً من أكثر الخطوات خطورة على الإطلاق.

الرئيس  لقسم الاتصالات في بنك إنجلترا ومحرر أول في وكالة رويترز سابقا

منتدى الاقتصادية 2026