في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، لم تعد السيادة الاقتصادية مرهونة بالموارد الطبيعية أو بحجم الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل أصبحت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدول على امتلاك الابتكار والتحكم في التكنولوجيا. فالدول التي تملك المعرفة تملك القرار، بينما تظل الاقتصادات المعتمدة على استيراد التقنية أكثر عرضة للتقلبات والضغوط الخارجية.
تاريخياً، كانت السيادة الاقتصادية تُقاس بالقدرة على الإنتاج والسيطرة على سلاسل الإمداد. أما اليوم، فقد باتت التقنيات الإلكترونية المتقدمة كالذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، والتقنيات الصناعية من حساسات إلكترونية متقدمة وغيرها مثل العمود الفقري للاقتصاد الحديث.
إن امتلاك هذه التقنيات لا يمنح الدول ميزة تنافسية فحسب، بل يوفر لها استقلالية القرار الاقتصادي، ويقلل من مخاطر التعطل أو الابتزاز الاقتصادي في أوقات الأزمات العالمية.
ولا شك أن هناك عديدا من الاقتصادات تعاني وجود فجوة واضحة بين استهلاك التقنية وإنتاجها، وهي فجوة تمثل نقطة ضعف استراتيجية تجعل الاقتصاد هشًا أمام الصدمات الخارجية. ومن هنا، لم يعد الابتكار المحلي ترفًا تنموياً، بل خياراً سيادياً بامتياز. فتوطين البحث والتطوير، وبناء القدرات الوطنية، وتحفيز الشركات التقنية المحلية، تشكل ركائز أساسية لتعزيز مرونة الاقتصاد وتحقيق استدامته.
كشفت الأزمات العالمية الأخيرة أن سلاسل الإمداد ليست مجرد مسارات تجارية، بل أدوات قوة اقتصادية. الدول التي استثمرت في الابتكار الصناعي والتقني استطاعت إعادة تشكيل سلاسلها، وتقليل اعتمادها على الخارج، بل والتحول من اقتصادات مستهلكة للتقنية إلى اقتصادات مُصدّرة لها. فالابتكار لا يقتصر على المنتج النهائي، بل يمتد إلى النماذج التشغيلية، والرقمنة الصناعية، والتقنيات اللوجستية الذكية.
في هذا السياق، يأتي معرض الدفاع العالمي المقام حاليًا في مدينة الرياض في السعودية ليقدم نموذجاً عملياً للعلاقة الوثيقة بين الابتكار والسيادة الاقتصادية. فالمعرض لا يقتصر على استعراض منظومات دفاعية متقدمة فحسب، بل ويعكس توجهاً استراتيجياً نحو توطين التقنيات الحرجة وبناء منظومات صناعية وتقنية ذات قيمة مضافة عالية.
ولعل القطاع الدفاعي اليوم يمثل أحد أبرز محركات الابتكار العميق، حيث تتقاطع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، وأمن المعلومات، وأشباه الموصلات، والتصنيع المتقدم. وهي تقنيات تتجاوز تطبيقاتها البعد العسكري، لتشكل أساساً لصناعات مدنية وصناعية متعددة، ما يعزز الأثر الاقتصادي طويل الأجل. كما يعكس المعرض انتقال السعودية من دور المستورد للتقنية إلى دور الشريك في تطويرها وصناعتها، ومن سوق استهلاكية إلى مركز إقليمي لسلاسل الإمداد الدفاعية والتقنية المتقدمة.
هذا التحول يدعم الشركات الوطنية، ويحفز الشركات الناشئة ذات التقنيات العميقة، ويوفر وظائف نوعية عالية القيمة، ويعزز الاستقلالية الاستراتيجية للاقتصاد الوطني بشكل عام.
السيادة الاقتصادية القائمة على الابتكار تتطلب قوة ممكنة غير تقليدية منظمة، تشمل القدرة على الاستثمار المستدام في البحث والتطوير، وتحفيز الشراكات بين الجامعات والصناعة، وبناء أطر تنظيمية مرنة تشجع الابتكار دون أن تعوقه، إلى جانب دعم منظومات ريادة الأعمال التقنية والصناعات العميقة ذات الابتكارات النوعية. من الأمثلة على ذلك تلك الدول التي نجحت في هذا التحول لم تكتفِ بحماية أسواقها، بل أصبحت فاعلة في تصدير الحلول التقنية والمشاركة في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي.
فالسيادة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين تُبنى في المختبرات، ومراكز البحث، ومصانع التقنيات المتقدمة، بقدر ما تُبنى في المصانع التقليدية والموانئ.
وأرى أن الابتكار اليوم هو العملة الجديدة للسيادة الاقتصادية والمسار الاستراتيجي لصناعة المستقبل. ومن ينجح في بناء منظومة ابتكار متكاملة تشريعياً، وتمويلياً، وبطاقة وقدرات بشرية ممكنة، يضمن لنفسه قدرة أعلى على اتخاذ القرار، ومكانة أكثر استقلالية وسيادية في الاقتصاد العالمي.
أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية
