شهدت الأسهم الهندية، التي كانت في يوم من الأيام محط أنظار المستثمرين العالميين، أداءً أقل من أداء الأسواق الناشئة الأخرى خلال العام الماضي، حيث أدت التوترات التجارية، وانخفاض تقديرات الأرباح، وارتفاع التقييمات إلى تراجع بريق البلاد. ومع ذلك، قد تساعد التحولات في الاتجاهات المحلية والجيوسياسية على جذب المستثمرين العالميين مرة أخرى.
كانت المشكلة الرئيسية التي واجهتها الأسهم الهندية العام الماضي بسيطة: انخفضت توقعات نمو الأرباح على الرغم من بقاء التقييمات مرتفعة. وقد تأثرت توقعات الأرباح سلبًا بضعف الاستهلاك الأسري وانخفاض الإنفاق الرأسمالي للشركات.
لكن على صعيد الاستهلاك، تعمل الحكومة على إصلاح الضرر. ففي ميزانية فبراير 2025، عدّلت الحكومة شرائح ضريبة الدخل الشخصي، مما أدى فعليًا إلى خفض إجمالي العبء الضريبي بمقدار تريليون روبية (11 مليار دولار). تبع ذلك في سبتمبر خفض إضافي بقيمة تريليون روبية في ضريبة السلع والخدمات.
يظهر الأثر الإيجابي لهذه الإجراءات جليًا في البيانات عالية التردد. إذ تُظهر مكونات مؤشر الإنتاج الصناعي ارتفاعًا واضحًا في إنتاج السلع الاستهلاكية منذ نهاية العام الماضي، ما يشير إلى تزايد الطلب. وتقود السيارات والسلع المنزلية انتعاش السلع المعمرة، متجاوزةً السلع الأساسية مع تدفق الدخل الإضافي إلى الإنفاق التقديري. إضافةً إلى ذلك، تتزايد الآن نفقات الحكومة على الأصول طويلة الأجل كنسبة من إجمالي الإنفاق، حيث تدفع السياسات التي تشجع التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي الاستثمار الخاص في هذه المجالات.
ويتجلى ذلك في العديد من الإعلانات الأخيرة من شركات الحوسبة السحابية العملاقة، بما في ذلك تعهد مجموعة أداني باستثمار 100 مليار دولار في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حتى 2035. وهذا بدوره من شأنه أن يرفع الطلب على مواد البناء والمعدات والمعادن الأساسية، ما يُعطي دفعة قوية للاقتصاد الحقيقي.هل تُنقذ الاتفاقيات التجارية الموقف؟ فيما يتعلق بتدفقات رؤوس الأموال ومخاوف العملة، قد تُسهم سلسلة الاتفاقيات التجارية الأخيرة التي أبرمتها الهند - لا سيما مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة - في تحسين الوضع، على الرغم من أن الأخيرة باتت موضع شك بعد أن أبطلت المحكمة العليا الأمريكية تعريفات الرئيس دونالد ترمب بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية .
انخفضت قيمة الروبية بنحو 5% مقابل الدولار في 2025 مع تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر وتدفقات محافظ الاستثمار. وبلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر 353 مليون دولار فقط في السنة المالية 2024-2025، وفقًا لبيانات بنك الاحتياطي الهندي، حيث سحب العديد من المساهمين الأجانب أموالهم. كما تخلص مستثمرو محافظ الاستثمار الأجانب من أسهم هندية بقيمة 19 مليار دولار في 2025، وفقًا لأرقام بورصة الهند الوطنية.
مع ذلك، إذا تمكنت الهند من تأمين شروط تجارية تنافسية مع المزيد من الشركاء، فقد يُحفز ذلك انتعاش الاستثمار الأجنبي المباشر، مما يُساهم في استقرار الروبية وجذب مستثمري محافظ الاستثمار مجددًا. قد يُؤدي هذا إلى حلقة إيجابية مألوفة: فالعملة الأقوى تجذب المزيد من التدفقات، مما يدعمها بشكل أكبر.
لكن المشهد التجاري والتعريفي يشهد الآن حالة من عدم الاستقرار. وقد يُحسّن هذا التطور الأخير من المحكمة العليا الأمريكية موقف الهند في المفاوضات الجارية، بعد سحب التهديد بفرض تعريفات جمركية أحادية الجانب واسعة النطاق بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية.
مع ذلك، قد تتضاءل جاذبية الهند للمصنّعين الراغبين في إنشاء مصانع خارج الصين إذا ما واجه منافسوها الإقليميون في نهاية المطاف نفس مستويات التعريفات الأمريكية.ومن المؤشرات الإيجابية وسط هذه التقلبات، ظهور بوادر انتعاش في تدفقات المحافظ الاستثمارية الأجنبية.
بعد بيع أسهم هندية بقيمة 19 مليار دولار في 2025، و4 مليارات دولار أخرى في يناير، اشترى المستثمرون الأجانب أسهماً بقيمة 2.2 مليار دولار في الأسابيع الثلاثة الأولى من فبراير. وخلال تلك الفترة، انتعشت الروبية من أدنى مستوى لها على الإطلاق مقابل الدولار. رغم أن هذا التحرك كان مدفوعًا جزئيًا بضعف الدولار بشكل عام، إلا أنه يشير أيضًا إلى احتمال استقرار معنويات المستثمرين تجاه الهند.
انخفاض التقييمات، وازدياد اهتمام المستثمرين
لطالما تم تداول الأسهم الهندية بعلاوة سعرية مقارنةً بالأسواق الآسيوية الأخرى، مما يعكس أرباحًا أقوى وكفاءة رأسمالية أفضل.
وبينما بلغت هذه العلاوة السعرية نسبةً مذهلةً قدرها 87% في سبتمبر 2024، وفقًا لبيانات فاكت سيت، فقد انخفضت منذ ذلك الحين إلى حوالي 38%، وهو ما يقارب متوسطها خلال الخمسة عشر عامًا الماضية. كما انخفض متوسط مضاعف السعر إلى الأرباح إلى 21.7 من أعلى مستوى له مؤخرًا عند 25.2، وهو ما قد يجذب اهتمام المستثمرين مجددًا.
من المرجح أن يركز المستثمرون على القطاعات المتوقع أن تستفيد من السياسة الحكومية، مثل قطاع السلع الاستهلاكية غير الأساسية، والقطاعات الصناعية، وقطاع البناء، والقطاعات الكيميائية، والمعادن الأساسية. وقد تستفيد البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية أيضًا من تمويل جهود النمو.
مع ذلك، لا تزال الأسهم الهندية بعيدة عن أن تكون استثمارًا مضمونًا. على عكس شمال آسيا، لم تشهد تقديرات الأرباح المتفق عليها في الهند انتعاشًا بعد. كما لا تزال تكلفة رأس المال مرتفعة. ورغم أن بنك الاحتياطي الهندي قد خفض أسعار الفائدة بمقدار 125 نقطة أساس خلال العام الماضي، إلا أن عائد سندات البلاد لأجل 10 سنوات لم يشهد تغيرًا يُذكر.
يمثل الاقتصاد تحديًا آخر. فمعدل بطالة الشباب في الهند لا يزال قريبًا من 10%، وفقًا للمسح الدوري للقوى العاملة الذي تجريه الحكومة، وقد يرتفع هذا المعدل إذا قامت شركات التكنولوجيا بتسريح أعداد كبيرة من العمال، كما يتوقع بعض الخبراء. ومن الواضح أن ذلك سيؤثر سلبًا على الاستهلاك والنمو الاقتصادي بشكل عام.
وبالطبع، يلوح في الأفق عدم اليقين بشأن التجارة. فقد منحت الاتفاقية المؤقتة مع الولايات المتحدة الهند ميزة محتملة على منافسيها الإقليميين، لكنها جاءت بشروط قاسية، أبرزها اشتراط استيراد الهند سلعًا أمريكية بقيمة 500 مليار دولار تقريبًا. والآن، يثير قرار المحكمة العليا الأمريكية تساؤلات حول بنود الاتفاقية التجارية النهائية.
وبينما قد يعيد المستثمرون النظر في الأسهم الهندية، فإن هذا التحسن الطفيف في المعنويات لن يدوم إلا إذا عادت الأمور إلى نصابها من الوضوح على الصعيد التجاري، وأثمرت إجراءات الحكومة لتحفيز الاستهلاك. في حين أن المستثمرين قد يعيدون النظر في الأسهم الهندية، فإن هذا التحسن الهش في المعنويات لن يدوم إلا إذا عادت الأمور إلى نصابها من الوضوح على الصعيد التجاري، وأثمرت تدابير الحكومة لتحفيز الاستهلاك.
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إيمر كابيتال بارتنرز المحدودة، والرئيس السابق لقسم أبحاث الأسهم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وكاتب في وكالة رويترز
