تدور الأحاديث هذه الأيام حول إصلاحات في السوق المالية السعودية، خصوصًا بعد أن كشف مازن السديري، رئيس هيئة السوق المالية، عن وضع خطة عمل لمعالجة أبرز التحديات التي تواجه سوق الأسهم السعودية، وذلك عقب صدور الأمر الملكي الكريم بتعيينه رئيسًا للهيئة. وأكد خلال اللقاء أن التوجيه الكريم من خادم الحرمين الشريفين وولي العهد رئيس مجلس الوزراء عند تعيينه تمثّل في التركيز على تعزيز عدالة السوق وكفاءتها، ومعالجة التحديات التي تواجهها، بما يسهم في رفع مستويات الثقة، وبناء سوق تعكس قوة الاقتصاد السعودي، وتشكّل وعاءً للاستثمار وقناةً للنمو الاقتصادي، وتمكّن من التوسع في المشاريع وتأسيس الشركات وتنمية الأنشطة الاقتصادية، في إطار من الحوكمة والشفافية العالية.
وهو حديث يبشّر باستمرار تطور السوق المالية السعودية، التي أصبحت من أهم أسواق المنطقة والعالم، شأنها في ذلك شأن الاقتصاد السعودي، الذي يُعد من اقتصادات مجموعة العشرين. كما عكس حديث رئيس الهيئة مع قناة العربية رؤىً فنيةً استندت إلى التأهيل العلمي والخبرة العملية في المؤسسات المالية.
وكما جرت عادتي، أحب أن أربط الحاضر بالماضي. فقد تعاملت في سوق الأسهم السعودية منذ وقت مبكر، قبل إنشاء هيئة السوق المالية، حين كانت عمليات بيع الأسهم وشرائها تتم بطرق ورقية وبدائية، عبر مكاتب كانت تتنافس فيما بينها بشدة، دون أن تخضع عملياتها لنظام يضمن الحوكمة والتوثيق. بل إن بعضها كان يبيع أسهمًا قبل امتلاكها، فيما كانت عمليات البيع والشراء تعتمد على الوساطة بين البائع والمشتري، وتُحسم بكلمة "اعتمد" الشائعة آنذاك. وبعد إتمام الصفقة، يحصل البائع والمشتري على سند لا يوفر ضمانًا كافيًا عند نشوء أي خلاف.
وأذكر أنني كنت أذهب مع أحد أصدقائي يومين في الأسبوع إلى أحد تلك المكاتب، حاملين في جيوبنا شيكات بيضاء نسدد بها قيمة الأسهم التي نشتريها. وكنت أحرص على البيع سريعًا تحسبًا لأي تطورات قد تحدث في السوق أو للمكتب الذي نتعامل معه، على خلاف صديقي الذي كان يفضّل التريث في البيع طمعًا في تحقيق ربح أكبر.
وفي أحد الأيام، بعت جميع الأسهم التي أملكها، رغم تواضع قيمتها، بينما رفض صديقي البيع. وفي اليوم التالي، وقعت مشكلة أدت إلى إغلاق المكتب، فاستنجد بي لأتواصل مع صاحبه. وبالفعل، تحدثت إليه، لكنه اكتفى بوعود لم ينفذها، ليتحمل صديقي خسارة كانت كبيرة بمقاييس ذلك الزمان.
وخلال طفرة التعامل في الأسهم عبر المكاتب، قرر أحد أبنائي وصديق له افتتاح مكتب للوساطة. وجاء ابني يطلب موافقتي ورأيي، فطلبت منه دعوة شريكه لأوضح لهما وجهة نظري. وشددت على ضرورة الالتزام بالصدق والأمانة، وعدم بيع أي أسهم لا يملكها المكتب، وتجنب الإفراط في الاقتراض. وقد التزما بهذه النصائح، فنجح المكتب، ثم قررا إغلاقه مع إغلاق المكاتب المماثلة، وانتقال السوق إلى التعامل المباشر في ظل النظام الجديد.
وفي 1984، تولت مؤسسة النقد العربي السعودي، المعروفة حاليًا بالبنك المركزي السعودي، مهمة التنظيم اليومي للسوق، واقتصر دور الوساطة في تداول الأسهم على البنوك التجارية. وفي 1989، بدأ تطبيق نظام التسوية الآلية، في خطوة أسهمت في تطوير عمليات التداول، وبدأ المستثمرون يتجهون إلى صالات التداول في البنوك، التي عُرفت شعبيًا باسم «الشاشة». ثم أُسِّست هيئة السوق المالية 2003، وهي جهة حكومية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري وترتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء. ومع توالي القرارات التنظيمية والتوسع في الأتمتة، ازداد عدد الشركات المدرجة والأسهم المتداولة.
وأخيرًا، يجب أن نفخر بما حققته السوق المالية السعودية من تطور، وبجهود الرؤساء الذين تعاقبوا على هيئة السوق المالية وأسهموا في تطويرها حتى بلغت مستوى عالميًا. وينبغي أن ننظر إلى السوق بوصفها إحدى أهم أدوات الاستثمار، ومؤشرًا على قوة الاقتصاد واستقراره. ويتطلب ذلك تكاتف الجميع لترسيخ العدالة التي وجهت بها القيادة وينشدها المستثمرون، ومعالجة الملاحظات التي تظهر، وتحفيز السوق على النمو بصورة متوازنة وعادلة تعكس قوة الاقتصاد السعودي.
وهي أهداف تتطلع المرحلة المقبلة إلى تحقيقها، امتدادًا للنهج القائم على طرح بعض القرارات لاستطلاع آراء العموم قبل تطبيقها. وذلك لتعزيز الثقة في متانة السوق والاقتصاد السعودي، مع ضمان حضور صوت المستثمرين الأفراد، وحماية مصالحهم وحقوقهم، وتشجيعهم على زيادة استثماراتهم. فالسوق المالية، مهما بلغت قوتها وتطورها، تحتاج إلى ترسيخ شعور المستثمر الفرد بالأمان والثقة.
كاتب اقتصادي
