السبت, 3 أكتوبر 2026|20 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

للحقيقة فقد فوجئت بالإعلان التمهيدي لميزانية عام 2027، وهي والحمد لله مفاجأة سارة جدا. فالعالم يعيش أزمات اقتصادية متنوعة، فصندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي من 3.5 % في 2025 إلى 3.0 % في 2026، نتيجة انخفاض نمو الاقتصادات المتقدمة إلى 1.7 % والاقتصادات الناشئة والنامية إلى 3.8 %، وتأتي هذه التوقعات السلبية في ظل رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية ليصل النطاق المستهدف إلى 4 %، كما أن بيان وزارة المالية التمهيدي قد وضح من المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6 % في 2026، بسبب تراجع الأنشطة النفطية بنحو 21.8 % نتيجة التطورات الجيوسياسية.

فإذا كانت هذه هي الحالة الاقتصادية العالمية وهناك حرب تديرها الولايات المتحدة ضد إيران على مضيق هرمز بوابة الخليج العربي، مع الوضع المتقلب في اليمن وتهديد مليشيا الحوثي المتكرر في باب المندب، فإن مثلي ممن يقرأون المشهد السياسي والاقتصادي قد يصيبهم القلق بشأن توقعات الميزانية، لكن كانت الميزانية مبهجة جدا، فالمتوقع أن تنفق الحكومة في عام 2027م نحو 1,392 مليار ريال وهذا يزيد عن النفقات المقدرة للعام الحالي 2026 بأكثر من 79 مليارا (أكثر من 6 %)، وهذا التوسع قد يكون على حساب العجز، لكن الخبر السار الذي جلبه الإعلان التمهيدي أن الإيرادات المتوقعة رغم كل الظروف الاقتصادية المحيطة ستصل بإذن الله لنحو 1,202 مليار ريال، أكثر بنحو 55 مليار ريال (أكثر من 4.7 %)، ومن المتوقع استمرار هذا النمو في الإيرادات حتى عام 2029 بإذن الله.

لقد سبق وتحدثت في المقال السابق عن التحولات التي شهدها الاقتصاد السعودي واستخدمت في ذلك نموذج سولو-سوان، ويمكن القول هنا إن ما يشهده الاقتصاد السعودي من النمو رغم كل الظروف المحيطة يعود إلي التخطيط الجيد والكفاءة في أداء الميزانية رغم التحديات، فلا ينبغي قراءة أرقام الميزانية باعتبارها المحاسبي (إيرادات ونفقات) وعزلها عن مسيرة الاقتصاد السعودي.

فالميزانية العامة كانت تاريخيًا إحدى الأدوات التي حوّلت عائدات النفط إلى طرق وموانئ ومصانع ومدارس ومستشفيات ومؤسسات وهي اليوم تؤدي دورًا أكثر تعقيدًا؛ إذ تمول في الوقت نفسه البنية التحتية للتحول الاقتصادي بما يدعم القطاعات غير النفطية، وتحفز الاستثمار الخاص، وتستثمر في رأس المال البشري والتقنية.

وهنا لعله من المناسب جدا استحضار مضامين الخطاب الملكي السنوي في مجلس الشورى الذي ألقاه الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، بمناسبة افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، فقد أوضح الخطاب أن الصادرات غير النفطية ارتفعت بنسبة 155 % مقارنة بعام 2016، كما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى 51 %، كما تقدمت السعودية في عدد من المؤشرات الرقمية، ومنها المراتب الأولى في الجاهزية الرقمية والاتصالات والتقنية، ونضج الحكومات الرقمية، كما قام صندوق الاستثمارات العامة بتنفيذ استراتيجيته الجديدة لبناء منظومات اقتصادية محلية، لرفع المحتوى المحلي، وتحقيق عوائد مالية مستدامة.

 وأكد الخطاب أن التعليم والصحة يتصدران اهتمام الدولة، وأن لهما أولوية في ميزانية الدولة من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، وخفض البطالة، وتمكين المواطنين من المنافسة والتميز في سوق العمل.

وهذه المقومات التي أشار إليها الخطاب الملكي هي ما تحتاجه مرحلة اقتصاد المعرفة، فالمطلوب اليوم ليس بناء الطرق والمصانع فقط، بل تمويل ممنهج في التعليم والتدريب الذي يقود للتطوير في قطاعات ابتكارية ذات قيمة عالية مثل الذكاء الاصطناعي، فالمعرفة والمهارات والتقنية لا تُعامل باعتبارها عوامل تأتي من الخارج، بل باعتبارها نتائج لاستثمارات وسياسات حكومية وخاصة داخل الاقتصاد.

هذه المؤشرات تؤكد على مضي الاقتصاد السعودي بقوة وثبات من الاعتماد الكبير على النفط إلى اقتصاد تتوسع فيه الصناعة والخدمات واللوجستيات والسياحة والتقنية. كما أن زيادة الصادرات غير النفطية تعني أن المملكة لا تكتفي بإنتاج السلع والخدمات للسوق المحلية، بل تتجه إلى المنافسة في الأسواق العالمية.

لذا فقد ظهر جليا أن الاقتصاد السعودي لم يعد رهينة لتقلبات سوق النفط وتهديداته، فرغم تراجع النمو في الأنشطة النفطية بنحو 21.8 % نتيجة التطورات الجيوسياسية، إلا أن ذلك لم يؤثر في استمرار نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 3.2 %، ومن المتوقع أن يقفز النمو في الناتج المحلي لعام 2027 إلى 12.8 %. ولأن الأرقام أصدق تعبيرا فقد أشار البيان التمهيدي إلى ارتفاع إجمالي الأصول الاحتياطية في الربع الثاني من العام الحالي 2026م بنسبة 8.1 % مقارنة بالفترة المماثلة من 2025، لتصل إلى نحو 1.85 تريليون ريال بما تغطي إجمالي الدين الخارجي البالغ 624.9 مليار ريال. هذه هي المبشرات التي حملها البيان التمهيدي للميزانية، ونحمد الله ونشكره على نعمه وتوفيقه.

أكاديمي وكاتب اقتصادي وباحث

منتدى الاقتصادية 2026