الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 1 مايو 2026 | 14 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

اقتصاد ما بعد الأزمات … من وفرة مؤقتة إلى سيادة إنتاجية مستدامة

سلمان بن محمد الجشي
الأحد 5 أبريل 2026 13:50 |3 دقائق قراءة


سلمان الجشي

  في لحظات الاضطراب الكبرى ، لا تُقاس قوة الاقتصادات بقدرتها على النمو فقط، بل بقدرتها على الصمود. وقد كانت جائحة كورونا اختبارًا عالميًا غير مسبوق كشف هشاشة سلاسل الإمداد، وأعاد تعريف أولويات الدول من الكفاءة القصوى إلى المرونة الإستراتيجية. واليوم، بينما تلوح في الأفق بوادر ضغوط مشابهة.

سواء كانت لوجستية أو تضخمية، يبرز سؤال جوهري: هل تعلّمنا الدرس؟ أم أننا نعيد إنتاج نقاط الضعف نفسها بأدوات أكثر تطورًا؟ خلال الجائحة، كان التحول الرقمي هو البطل الصامت. فقد انتقلت التجارة، والخدمات، وحتى أنماط العمل إلى الفضاء الرقمي بسرعة قياسية. تضاعفت الطلبات عبر التطبيقات، وازدهرت نماذج الأعمال القائمة على البرمجيات، وأثبتت التكنولوجيا أنها ليست رفاهية، بل بنية تحتية حيوية.

هذا التحول لم يكن مجرد استجابة مؤقتة، بل تأسيس لاقتصاد جديد أكثر مرونة، وأقل اعتمادًا على الحضور الفيزيائي. لكن في المقابل، كشفت الأزمة عن اختلال عميق في سلاسل التوريد العالمية. ارتفاع تكاليف الشحن، وتعطل الموانئ، وتأخر المواد الخام، كلها عوامل انعكست مباشرة على تكاليف الإنتاج، ومن ثم على تكلفة المعيشة.

 واليوم، نشهد مؤشرات مشابهة، ارتفاع في أسعار الشحن، وضغوط على مدخلات الإنتاج، ما ينذر بموجة تضخمية قد تمس المستهلك بشكل مباشر. ورغم ذلك، لا يمكن إغفال النجاحات المحلية، خصوصًا في منظومة النقل والخدمات اللوجستية. التفاعل المستمر من الجهات المعنية،  مثل الهيئة العامة  للموانئ، يعكس تطورًا في إدارة الأزمات، ووعيًا بأهمية الاستجابة السريعة.

هذه الجهود، وإن كانت مشجعة، تحتاج إلى أن تُترجم إلى إستراتيجية طويلة الأمد، لا مجرد ردود فعل ظرفية  أحد أبرز الدروس التي يجب التوقف عندها هو تجربة تصنيع الكمامات خلال جائحة كورونا.

في ذروة الأزمة، دفعت الاستثمارات والمستثمرين نحو هذا القطاع بوعود رسمية أن نصبح الدولة الأولى المصنعة عالميا، مدفوعة بالحاجة الملحة، وتوفر المواد الخام، والموقع الجغرافي المميز. لكن مع انحسار الطلب، وجدت عديد من هذه المصانع نفسها في مواجهة خسائر، وتحديات تشغيل، وأعباء مالية. هذه التجربة تُظهر بوضوح مخاطر الاستثمار غير المرتبط برؤية إستراتيجية مستدامة. 

من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم “التصنيع الوطني”. ليس الهدف فقط تحقيق الاكتفاء الذاتي في لحظة أزمة، بل بناء منظومة صناعية قادرة على التكيف، والاستمرار، والتنافس. وهذا يتطلب تحديد القطاعات الحيوية ذات البعد الأمني مثل الغذاء، والدواء، والطاقة وقبل الجميع الصناعات العسكرية ووضع خطط طويلة الأمد لضمان توفرها محليًا، دون الاعتماد المفرط على الخارج.

 لكن الإستراتيجية وحدها لا تكفي. لا بد من أدوات تنفيذ فعالة، وعلى رأسها سياسات المحتوى المحلي. إلزام الجهات المتعاقدة مع الدولة بشراء نسبة محددة من المنتجات المحلية يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للصناعة الوطنية ويجب أن يشمل الصناعات الموردة لهم  لهم بإلزامية لكل من استفاد من إلزامية الشراء المحلي.

هذا لا يعني الحماية العشوائية، بل دعم ذكي يربط بين الجودة، والتنافسية  والاستدامة. في الوقت ذاته، يجب أن نُدرك أن الأمن الغذائي والأمني لا يتحققان فقط بالإنتاج المحلي، بل أيضًا بتنوع مصادر الاستيراد، وبناء مخزونات إستراتيجية، وتعزيز الكفاءة اللوجستية. فالعالم اليوم مترابط بشكل لا يمكن معه الانفصال الكامل، لكن يمكن تقليل المخاطر عبر تنويع الاعتماد. 

المرحلة المقبلة تتطلب تفكيرًا إستراتيجيًا يتجاوز ردود الفعل. نحن بحاجة إلى التوازن بين الانفتاح الاقتصادي، والسيادة الإنتاجية. بين الكفاءة، والمرونة.  بين الحاضر، والمستقبل.  الأزمات مهما كانت قاسية تحمل في طياتها فرصًا لإعادة البناء . والسؤال ليس ما إذا كنا سنواجه أزمات أخرى ، بل كيف سنستعد لها؟

كاتب اقتصادي ورجل اعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية