في ظل التحولات الديموغرافية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يبقى المجتمع السعودي مجتمعاً شاباً بامتياز . حيث تشكل الفئة العمرية (15-64) النسبة الأكبر من السكان ، بينما لا تزال نسبة من تجاوزوا الستين عاماً أقل مقارنة بالمعدلات العالمية، إلا أن المؤشرات الأخيرة تؤكد أن السعودية بدأت تدخل تدريجياً مرحلة جديدة عنوانها "اقتصاد الوقار " اقتصاد يرتبط بجودة الحياة لمن يبلغ الستين عاماً فأكثر ، ويستعد لمستقبل تزداد فيه هذه الفئة عدداً وتأثيراً.
تشير تقديرات الهيئة العامة للإحصاء إلى أن عدد السعوديين فوق الستين يقترب من مليون نسمة ، بينما تذكر بيانات وزارة الصحة 2023 أن كبار السن بلغوا نحو 1.36 مليون نسمة ، أي ما يقارب 3.8% من السكان، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة مع تحسن متوسط العمر المتوقع.
هذا التحول لا يمثل تحدياً فقط، بل فرصة اقتصادية واستثمارية واسعة لبناء قطاعات جديدة تركز على الإنسان، وتعيد تعريف التنمية من منظور الوقار والراحة والاستقرار. اقتصاد كبار السن في المدن العالمية أثبت أنه محرك رئيسي للخدمات المالية والمصرفية، حيث يفضل كبار السن الأدوات القصيرة الأجل التي تمنح دخلاً شهرياً مستقراً بدلاً من الاستثمارات طويلة الأمد .
ومن هنا.. تبرز الحاجة إلى تطوير منتجات مصرفية متخصصة مثل الودائع المرنة ، وصناديق الدخل الثابت، وخدمات إدارة الثروات المبسطة، بما يتناسب مع هذه الشريحة إلى جانب ذلك ، يشكل قطاع الأغذية والمطاعم أحد أبرز القطاعات الواعدة ، فمرحلة ما بعد مسؤوليات الأبناء تدفع الكثير من كبار السن إلى البحث عن جودة أعلى في الطعام وتجارب اجتماعية مريحة . ويمكن أن تصبح المطاعم التقليدية والأسواق الصحية ومراكز الغذاء المحلي جزءاً من اقتصاد الوقار، خاصة في المدن المتوسطة والقرى.
كما أن قطاع الرعاية الصحية والخدمات المنزلية سيصبح محوراً رئيسياً ، خصوصاً مع ارتفاع نسب الإعاقة الوظيفية وهذا يفتح الباب للاستثمار في الرعاية طويلة الأمد ، والتأهيل، والتقنيات الصحية المساندة ، ومراكز العلاج الطبيعي ، والخدمات الرقمية لكبار السن. ولا يقل أهمية قطاع السياحة الداخلية الهادئة ، حيث يمكن تطوير وجهات تناسب كبار السن… سياحة استشفائية ، ومنتجعات صحية، ومسارات طبيعية مهيأة ، وتجارب ثقافية مريحة تعزز جودة الحياة.
إن نقطة البداية الحقيقية لبناء هذا الاقتصاد تكمن في تبني وزارة الاقتصاد والتنمية لبرنامج وطني للحوار المجتمعي، عبر لقاءات في القرى والمدن والمناطق ، بمشاركة الأهالي والمثقفين والجهات الحكومية .هذه اللقاءات ستكون حجر الأساس لإستراتيجية تحدد القطاعات الاستثمارية المناسبة لكل منطقة بحسب خصوصيتها، وتفتح الآليات الممكنة للمستثمرين المحليين، وتصنع اقتصاداً متوازناً يليق بوقار العمر بإستراتيجية واضحة بما تشمله من ممكنات مطلوبة لتحقيق المبتغى، تراجع من مجلس الشورى و تقر من مجلس الوزراء.
اقتصاد الوقار الملبس بالبياض ليس مجرد استجابة للشيخوخة، بل رؤية إنسانية واستثمارية مبكرة تضمن أن يبقى المجتمع السعودي، شاباً في روحه، كريماً في رعايته، ومتقدماً في جودة حياة جميع أجياله.
كاتب اقتصادي ورجل أعمال
