د.مسفر بن جارالله
في المقال السابق استعرضنا كيف أن الارتفاعات الحادة في أسعار النفط عبر التاريخ غالبًا ما تنتهي باضطرابات في السوق وتغيرات في موازين الطاقة العالمية، ولذلك تبرز أهمية استقرار الأسواق كهدف إستراتيجي لدول العالم أجمع، حيث إن ارتفاع الأسعار ليس في صالح المنتجين ولا المستهلكين.
وللحفاظ على أسعار مستقرة في ظل الظروف الراهنة وحالة عدم اليقين، تبرز أسئلة مهمة: هل تمتلك السوق أدوات تمنع انفلات الأسعار؟ وما الدور الحاسم الذي يمكن أن تلعبه السعودية في كبح جماح الأسواق؟ وما أبرز أدواتها؟ وهل يكفي هذا الدور في ظل هذه الظروف غير الطبيعية؟
في الواقع، تمتلك السعودية 3 أدوات إستراتيجية لا تملكها أي دولة أخرى، صغيرة كانت أم كبيرة، ولا حتى الدول ذات الإنتاج الكبير مثل روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. فالتأثير في أسواق الطاقة لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج، بل يتعلق كذلك بالمرونة التشغيلية، والبنية التحتية المتقدمة، والدور القيادي.
لذلك دعونا نستعرض هذه الأدوات بشيء من التفصيل.
الأداة الأولى: المرونة الإنتاجية
تتمثل الأداة الأولى في المرونة الكبيرة التي تمتلكها السعودية وسرعة استجابتها لتغيرات السوق. ويرجع ذلك إلى أنها الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك ما يعرف بـ"الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة"، التي تبلغ نحو 12 مليون برميل يوميًا. فعلى سبيل المثال، إذا افترضنا أن إنتاج السعودية اليومي وفق اتفاقيات أوبك بلس يبلغ نحو 9 ملايين برميل يوميًا، فإن السعودية لا تزال تمتلك طاقة إنتاجية فائضة تُقدّر بنحو 3 ملايين برميل يوميًا يمكن ضخها فورًا دون تأخير. وهذه المرونة تجعل السعودية المنتج "المرجّح" في أسواق النفط عندما تتعرض لصدمات مفاجئة. ولكن هذه الأداة قد تواجه بعض التحديات في ظل القيود على النقل في ظل ظروف الحالية للحرب.
الأداة الثانية: البنية التحتية المتقدمة
أما الأداة الثانية فتتمثل في البنية التحتية المتقدمة من حقول، وشبكات أنابيب، ومنشآت، ومصانع، وموانئ للتصدير، وهي نتاج استثمارات ضخمة راكمتها السعودية على مدى عقود. هذه البنية التحتية تمنح السعودية القدرة على الحفاظ على تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية حتى في أعقد الظروف الجيوسياسية.
ومن الأمثلة على ذلك استخدام خط أنابيب شرق–غرب لنقل النفط من الحقول في المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، في حال تعطل الشحن عبر مضيق هرمز والخليج العربي. كما يتجلى ذلك في قدرة المملكة على الاستمرار في تلبية التزاماتها التصديرية حتى بعد الهجوم على منشأتي بقيق وخريص 2019.
الأداة الثالثة: الدور القيادي
تتمثل الأداة الثالثة في الدور القيادي للسعودية وقدرتها على حشد التحالفات، مثل تحالف أوبك بلس، من خلال علاقاتها مع الدول المنتجة الأخرى. فدورها القيادي داخل منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس يمكّنها من توجيه سياسات الطاقة بشكل تكاملي، بما يحافظ على استقرار وتوازن الأسواق. هذه الأدوات تُعد حاسمة في الظروف الطبيعية، لكن هل تكفي وحدها في ظل الظروف غير الطبيعية؟
المتابع لأسواق النفط يلاحظ وجود توقفات متكررة، وتجنّب عديد من ناقلات النفط المرور عبر مضيق هرمز، ما يضغط على الأسواق. كما أعلنت بعض الدول "القوة القاهرة"، مثل العراق وقطر. وتشير بعض التقديرات إلى تأثر نحو 7% من الإمدادات العالمية، أي ما يعادل 7 إلى 8 ملايين برميل يوميًا. ولذلك أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الإستراتيجية.
ظل هذه الظروف غير الطبيعية، سيكون دور السعودية، إلى جانب الاحتياطيات الإستراتيجية لدى عديد من الدول، هو التخفيف من حدة ارتفاع الأسعار، إلا أن هذه تبقى حلولًا مؤقتة. أما الحل الفعّال لكبح جماح الأسعار، فيكمن في خفض التوترات في مضيق هرمز ووقف الحرب بأي وسيلة ممكنة. وفي حال استمرت هذه التوترات لأكثر من شهر، مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز والخليج العربي، فقد نشهد وصول الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي الختام، يتضح لنا من هذا المقال لماذا تؤدي السعودية دورًا محوريًا في استقرار الأسواق، ليس فقط بقدرتها على التأثير في اتجاه الأسعار، بل أيضًا بقدرتها على التدخل الفعّال باستخدام الأدوات السابقة عند الحاجة. ولهذا، عندما تتعرض أسواق الطاقة لصدمات كبيرة—سواء كانت اقتصادية، أو سياسية أو فنية أو طبيعية—فإن المحللين لا يكتفون بدراسة حجم الصدمة أو سيناريوهاتها المحتملة، بل يتجه السؤال مباشرة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه السعودية في إعادة التوازن للأسواق ما قبل الحرب الحالية و ما بعدها.
أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة
