كان العثور على مُصدّرين متفائلين للفحم الحراري أمرًا صعبًا في الآونة الأخيرة نظرًا لانخفاض الأسعار، وتراجع الطلب من كبار المشترين، الصين والهند، إضافة إلى مشكلة أخرى تواجه شركات التعدين الإندونيسية تتمثل في عدم اليقين بشأن السياسة الحكومية. لكن هناك فئة واحدة من مُصدّري الفحم تبدو متفائلة للغاية. يتطلع مُصدّرو الفحم في جنوب إفريقيا إلى زيادة الطلب من أكبر مشترٍ لديهم، الهند، فضلًا عن تحسين البنية التحتية للسكك الحديدية التي ستسمح بزيادة الكميات. مع ذلك، فإن الفحم الذي يشهد المنتجون في جنوب إفريقيا طلبًا قويًا عليه ليس للاستخدام التقليدي في توليد الكهرباء، بل للعمليات الصناعية مثل صناعة الحديد الإسفنجي والأسمنت.
سادت أجواء التفاؤل بقوة في مؤتمر الفحم الجنوب إفريقي، الذي نظمته شركة ماكلوسكي التابعة لـ OPIS الأسبوع الماضي في كيب تاون. وكانت الرسالة الأساسية هي أن شبكة السكك الحديدية في جنوب إفريقيا تشهد أخيرًا عملية إعادة تأهيل، مع توقعات بنقل ما يصل إلى 6 ملايين طن متري إضافية من الفحم في 2026. وبلغت صادرات جنوب إفريقيا من الفحم 60.96 مليون طن في 2025، وفقًا لبيانات جمعتها شركة Kpler لتحليل السلع، وذهب نصفها إلى الهند. وهذا يمثل ارتفاعًا عن 58.13 مليون طن في 2024، مسجلًا بذلك العام الثالث على التوالي من النمو، مع العلم أنها لا تزال أقل من 77.2 مليون طن المسجلة في 2018.
وإذا تمكن عمال المناجم في جنوب إفريقيا من رفع صادراتهم إلى نحو 65 مليون طن في 2026، فإنهم على ثقة من وجود سوق متنامية لمنتجاتهم. تُعدّ الهند أكبر منتج للحديد الإسفنجي في العالم، وهو منتج وسيط بين خام الحديد والصلب الخام. وبلغ إنتاجها نحو 55.7 مليون طن في السنة المالية 2024-2025، وفقًا لجمعية مصنعي الحديد الإسفنجي، ويتوقع المحللون أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 75 مليون طن بحلول 2030 نظرًا للطلب الهندي القوي على الصلب. يتطلب إنتاج كل طن من الحديد الإسفنجي حوالي 1.2 طن من الفحم، ويُعدّ الفحم الجنوب إفريقي من أفضل أنواع الفحم المستخدمة في هذه العملية.
ويكون إنتاج الحديد المختزل أكثر كفاءة بشكل عام عند استخدام فحم ذي محتوى طاقة يتراوح بين 5 آلاف و5500 كيلو كالوري لكل كيلوغرام. ورغم أن شركات التعدين الأسترالية والروسية والأمريكية تُنتج فحمًا بجودة مماثلة، إلا أن قرب جنوب إفريقيا من الهند يمنحها ميزة تنافسية من حيث تكلفة التسليم.
تُعدّ إندونيسيا، أكبر مُصدّر للفحم في العالم، من الدول الرائدة في إنتاج الفحم منخفض الطاقة، وهو نوعٌ شائع لدى شركات الكهرباء الهندية نظرًا لانخفاض سعره مقارنةً بأنواع الفحم الأخرى.
ونظرًا لقلة المنافسة من إندونيسيا، تُعتبر جنوب إفريقيا المورّد المُفضّل لمُنتجي الحديد المختزل في الهند، الذين يُعانون من صعوبة في توفير كميات كافية من الفحم المحلي، إذ تُعطي السياسة الهندية الأولوية لشركات الطاقة. إذا ارتفع إنتاج الحديد الإسفنجي بمقدار 20 مليون طن سنويًا بحلول 2030، فسيؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على الفحم بمقدار 24 مليون طن.
لن تتمكن جنوب إفريقيا من تلبية هذا الطلب بمفردها، ولكن من المنطقي أن يتمكن مُصدّروها من بيع أي كميات يُمكنهم شحنها نظرًا للطلب القوي. يُسهم قطاع الأسمنت أيضًا في دعم هذا الطلب.
يعتمد مُنتجو الأسمنت في الهند أيضًا على الفحم المُستورد، ويتوقعون زيادة إنتاجهم من 453 مليون طن في السنة المالية 2024-2025 إلى نحو 480 مليون طن خلال الاثني عشر شهرًا الحالية.
على الرغم من أن إنتاج الإسمنت أقل اعتمادًا على الفحم من إنتاج الحديد الإسفنجي، إلا أن إنتاج طن واحد من الأسمنت يتطلب ما يصل إلى 250 كيلوغرامًا من الفحم. هذا يعني أن زيادة إنتاج الإسمنت ستعزز الطلب على الفحم في الهند بملايين الأطنان سنويًا، ومن غير المرجح أن تتمكن السوق المحلية من تلبية هذا النمو في الطلب، ما يعني عودة الواردات إلى الواجهة.
والسؤال المطروح هو ما إذا كان هذا الطلب سيؤدي إلى انتعاش أسعار الفحم، التي انخفضت إلى أدنى مستوياتها في 4 سنوات منتصف العام الماضي، وكان التعافي منذ ذلك الحين محدودًا.
سيعتمد الكثير على الطلب على أنواع الفحم المنتجة في جنوب إفريقيا، وهذا يعني أن الصين والاقتصادات المتقدمة في شمال آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ستكون عوامل حاسمة.
من المرجح أن يظل الطلب على الفحم الحراري عالي الجودة من هذه الدول ثابتًا أو يميل إلى الانخفاض، نظرًا لأن اليابان وكوريا الجنوبية تحدّان من توليد الطاقة بالفحم، بينما تواصل الصين نشر مصادر الطاقة المتجددة بوتيرة متسارعة. لكن حتى لو استقرت أسعار الشحن البحري نسبيًا، فمن المتوقع أن يتمكن مُصدّرو جنوب إفريقيا من بيع كامل ما يُمكنهم شحنه نظرًا لميزتهم النسبية على منافسيهم.
كاتب اقتصادي ومحلل مالي في وكالة رويترز
