الاثنين, 28 سبتمبر 2026|15 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يكتسب صعود الدولار -المدفوع ببيانات اقتصادية أمريكية قوية، وموقف متشدد من الاحتياطي الفيدرالي، وارتفاع حاد في عوائد السندات- زخماً متزايداً. ومن غير المرجح أن ترحب وزارة الخزانة الأمريكية -التي تتبنى نهجاً متزايداً في التدخل- بهذا الأمر؛ إذ يُعد ذلك تذكيراً بأنه لكي تؤتي تحركات السوق ثمارها، يتعين على الحكومات أن تكون مستعدة لاتخاذ خطوات واسعة النطاق وجريئة.

كان الدولار قد تراجع بنسبة 10% في العام الماضي -مسجلاً أسوأ أداء سنوي له منذ  2017- وسادت توقعات واسعة النطاق باستمرار هذا المسار الهبوطي خلال العام الحالي. وفي أواخر يناير، كان الدولار يرزح عند أدنى مستوياته في 4 سنوات، لكنه عاد للارتفاع بنسبة 6% منذ ذلك الحين، مع تسارع الزخم بشكل حاد في الآونة الأخيرة. ويبدو أن المزيد من الارتفاع في قيمة العملة أمر مرجح؛ فكما أشار محللو بنك "إتش إس بي سي" (HSBC) يوم الأربعاء، فإن "الدولار قد تحرر من فخ تدهور القيمة".

ويصب هذا الصعود في اتجاه دحض فرضية "تدهور قيمة الدولار" التي أثيرت العام الماضي؛ إذ يتضح أن المستثمرين الأجانب لا يديرون ظهورهم للعملة الأمريكية. ورغم أن هذا قد يمثل أخباراً سارة للبيت الأبيض، إلا أن هذا التحول يقوض أيضاً بعض الأهداف الاقتصادية الرئيسية لإدارة ترمب -بما في ذلك إنعاش قطاع التصنيع الأمريكي وتقليص العجز التجاري الهائل- وهي أهداف تعتمد في جوهرها على سعر صرف أكثر تنافسية.

وعلاوة على ذلك، فإن أحد المحركات الرئيسية لهذا التحرك -وهو الارتفاع الحاد في عوائد السندات- يمثل نقيضاً تماماً لما تسعى وزارة الخزانة إلى تحقيقه. وتثير هذه التطورات تساؤلات حول أساليب التدخل في أسواق العملات والسندات التي لجأ إليها وزير الخزانة سكوت بيسنت هذا العام.

ففي أواخر يوليو، تحركت وزارة الخزانة بالتعاون مع السلطات اليابانية للحد من القوة الجامحة للدولار مقابل الين. بعد 3 أسابيع، صبّ "بيسنت" تركيزه على تكاليف الاقتراض الأمريكي طويل الأجل، معلناً أن وزارة الخزانة ستزيد من حجم عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل المقررة مسبقاً؛ وهي خطوة اعتبرها معظم المراقبين محاولةً لخفض العوائد على هذه السندات.

وقد تباهى "بيسنت" بهاتين الخطوتين، إذ قال لاحقاً: "أنا أمتلك معلومات غير متكافئة (تفوق ما لدى الآخرين). لقد أصبحتُ بمثابة 'الكازينو' (الطرف الذي يملك الأفضلية المطلقة) الآن... ويمكنكم المراهنة ضدي إن شئتم".والواقع أن المستثمرين يراهنون ضده بالفعل؛ فقد عاد الين الياباني مجدداً إلى "نطاق التدخل" بالقرب من مستوى 160 ينّاً مقابل الدولار، وفي الوقت نفسه، وصلت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 22 عاماً.

والحقيقة القاسية هي أن محاولة فرض إرادتك على سوق سندات الخزانة الأمريكية -البالغ حجمه 30 تريليون دولار- وسوق الصرف الأجنبية العالمية -الذي يبلغ حجم تداولاته اليومية 10 تريليونات دولار- ليست بالأمر السهل.

القوة النارية للبنوك المركزية

لقد تكللت بعض التدخلات الحكومية على مر العقود بالنجاح، وكانت الدروس المستفادة منها تؤكد أن الأقوال يجب أن تكون مدعومة بقوة هائلة، وأن يكون حجم التدخل ضخماً، وغالباً ما يتطلب الأمر تحركات متعددة الأطراف.

ففي ثمانينيات القرن الماضي، سعت أقوى البنوك المركزية في العالم إلى إضعاف الدولار الذي كان مقوماً بأعلى من قيمته الحقيقية. وقد أدى "اتفاق بلازا" عام 1985 إلى الانخفاض الكبير في قيمة الدولار الذي كانت تلك البنوك تنشده، بل كان هبوطاً حاداً لدرجة استدعت إبرام "اتفاق اللوفر" بعد عامين للحد من سرعة ذلك الانخفاض. وبالمثل، كان التدخل المنسق لدعم عملة اليورو الناشئة في أواخر عام 2000 علامةً فارقةً سجلت أدنى مستوى للعملة على الإطلاق.

وعند محاولة إدارة تكاليف الاقتراض الحكومي عبر سياسة "التيسير الكمي"، تبرز عوامل الحجم والقوة والمصداقية كعناصر جوهرية للنجاح. وقد طُبقت سياسة التيسير الكمي هذه لأول مرة من قبل بنك اليابان في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، ثم تبناها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي استجابةً للأزمة المالية العالمية. لقد نجحت السياسة في تحقيق أهدافها، لكنها تطلبت ضخ تريليونات الدولارات والينّات، فضلاً عن توجيه رسالة واضحة مفادها أن المزيد من الدعم سيُقدم إذا دعت الحاجة.

وفي سياق مماثل، نجح الوعد الذي قطعه ماريو دراغي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، دون نص مسبق في ذروة أزمة ديون منطقة اليورو في يوليو 2012 -بأنه سيفعل "كل ما يلزم" لإنقاذ اليورو- إلى حد كبير لأن الأسواق صدقت جديته في ذلك؛ وقد أعقب ذلك جولات ضخمة من التيسير الكمي.

وعلى سبيل المقارنة، تبدو الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها وزارة الخزانة الأمريكية ضئيلة للغاية في مشهد التدخلات الاقتصادية. وبالطبع، لم يكن المقصود منها أن تكون مماثلة لتلك الإجراءات السابقة؛ إذ صُممت لمعالجة جيوب نقص السيولة في السوق والتقلبات غير المرغوب فيها، وفقاً لما ذكره بيسنت. ولكن حتى وإن صح ذلك، فإن صغر حجمها يعني أن فرص تحقيقها لأي شيء يتجاوز الحل المؤقت تظل ضئيلة.

وهكذا، فبعد أن صرح بيسنت بقدرته على ضبط إيقاع أسواق تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات من خلال إجراءات بسيطة، تواجه وزارة الخزانة الآن أعلى تكاليف للاقتراض منذ عقود، فضلاً عن عودة الدولار للصعود بقوة.

وقال ستيفن إنجلاندر، المحلل في بنك "ستاندرد تشارترد"، يوم الأربعاء: "كان الخوف من انخفاض قيمة العملة (debasement) هو العائق الأكبر أمام شراء الدولار، في حين أن العائق الأكبر أمام بيعه يتمثل في فروق أسعار الفائدة الاسمية والحقيقية (التي أصبحت مغرية)".

لقد لاقى طرح "انخفاض قيمة الدولار" رواجاً في وقت سابق من هذا العام، حين كان الدولار عند أدنى مستوياته في 4 سنوات ويتجه نحو مزيد من الهبوط؛ إلا أن التحول الهائل في المسار المتوقع لأسعار الفائدة الأمريكية قد بدد ذلك التصور. ويبدو أن المخاوف المتعلقة بانخفاض القيمة -إن وُجدت- تتركز الآن حول السندات الأمريكية. ولعل "الكازينو" (أو جهة الإدارة والتحكم في السوق) لا يربح دائماً.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

منتدى الاقتصادية 2026