السبت, 5 سبتمبر 2026|22 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


كريستالينا جورجييفا

اختراق ضوابط رأس المال يعرض البلدان لمخاطر إحلال العملات، وتقلبات التدفقات الرأسمالية، وعدم استقرار أسعار الصرف، وتراجع السيادة النقدية. ويتعين على البنوك المركزية الاستجابة من خلال إجراءات رقابية لضمان سلامة النظام المصرفي المحلي، وأطر ملائمة لتنظيم وسطاء العملات المستقرة المحليين، وزيادة احتياطياتها الوقائية من النقد الأجنبي.

ومع ازدياد صعوبة اللجوء إلى الكبح المالي للحد من تكاليف خدمة الدين ومعالجة تحديات المالية العامة، يجب على الحكومات تنفيذ تصحيحات مالية جوهرية عبر توسيع قواعدها الضريبية وخفض مستويات العجز الأولي.

ومما يبعث على الطمأنينة أن عديدا من اقتصادات الأسواق الصاعدة أحرزت تقدما ملموسا خلال السنوات الأخيرة في تعزيز أطر سياساتها ومؤسساتها، بدءا بقواعد المالية العامة ووصولا إلى استقلال البنوك المركزية. وقد ساهم هذا التقدم في تعزيز قدرتها على الصمود.

ولكنني في الوقت نفسه أشعر بالقلق حيال تراجع المعنويات العامة تجاه التصحيح بعد سنوات من الدعم المالي السخي في كثير من الحالات.

ومع ذلك، سيكون التراخي في المرحلة الراهنة خطأ باهظ التكلفة. فإذا أرغمت التكنولوجيا النظم المالية المغلقة على الانفتاح، فستعتمد الثقة بالعملة المحلية اعتمادا أوحد على سلامة مزيج السياسات المطبق. ومن دون ذلك، قد تكون التداعيات سريعة في النظام المالي العالمي الديناميكي في الغد القريب.

أما إذا أردنا النظر إلى الجانب الإيجابي، فيمكن القول بكل تأكيد إن الابتكارات المالية الراهنة بمقدورها أن تعود بالنفع على الجميع، في كل مكان، على المدى الأطول—بمنحهم مزيدا من الحرية المالية والاقتصادية والتشجيع على انتهاج سياسات أفضل.

أما النقطة الثالثة والأخيرة في حديثي اليوم، فهي أن البلدان المُصدِرة للأصول الاحتياطية الداعمة للعملات المستقرة -أو ما سأشير إليها باسم "البلدان المُصدِرة"- فلن تُعفى من ضرورة ضبط السياسات.

فلهذه البلدان —التي تتصدرها الولايات المتحدة بوصفها المزود الرئيسي للأصول الداعمة للعملات المستقرة— مصلحة مباشرة في ضمان تصميم النظم بما لا يخدم مصالحها الضيقة فحسب، بل يساهم أيضا في الحد من مخاطر التداعيات السلبية وحماية النظام النقدي الدولي.

وتتيح التكنولوجيا لهذه البلدان بالفعل ثمارا دانية القطوف. فكما أوضح كين روغوف، تفتح العملات المستقرة المدعومة بالدولار آفاقا جديدة أمام الحكومة الأمريكية للاستفادة من مخزون عالمي من الدولارات المتداولة خارج حدودها، يُقدَّر بنحو 15 تريليون دولار.

وإذا تساوت سائر العوامل، فإن الهيمنة على قاعدة أوسع من المستثمرين العالميين قد تساعد البلدان المُصدِرة على خفض تكلفة تمويل ماليتها العامة —وإن كان ذلك قد يأتي على حساب ارتفاع تكاليف الاقتراض في بلدان أخرى إلى حد قد يؤدي إلى تحول المستثمرين عن سندات تلك البلدان.

ولكن هذه الوفورات لا تحقق سوى منفعة هامشية— ولا تقدم بديلا عن الإدارة الرشيدة لسياسات الاقتصاد الكلي.

فمصداقية السياسات الاقتصادية الكلية في البلدان المُصدِرة تشكل في الواقع شرطا لا غنى عنه لبناء الثقة بالابتكار المالي. وما زال هناك الكثير مما يتعين إنجازه في هذا الصدد. وبما أن عمل الصندوق "ينصب في معظمه على المالية العامة" حسب المقولة الشائعة، فلا بد من الإشارة اليوم إلى أن مسار الدين العام في معظم الاقتصادات المتقدمة يستدعي انتباه صناع السياسات. فعوائد السندات السيادية لأجل عشر سنوات في الولايات المتحدة وفرنسا واليابان، على سبيل المثال، تبلغ حاليا أعلى مستوياتها منذ 2007 و2008 و1996 على الترتيب.

ومع تصاعد هذا المؤشر المرجعي لتكاليف الاقتراض، ترتفع معه منحنيات العائد حول العالم. وفي بعض الأسواق الصاعدة، يطغى هذا الارتفاع على ما تحقق بشق الأنفس من انكماش في فروق العائد.

وتستشعر البنوك المركزية حول العالم وطأة الضغوط المتصاعدة على المالية العامة، وربما تواجه تساؤلات حول مخاطر التغول المالي. وهنا، من هذا المنبر العريق للسياسة النقدية —في هذه الولاية التي اقترنت بمسابقات رعاة البقر، حيث تحمل جميع لوحات المركبات صورة فارس يمتطي جوادا جامحا— اسمحوا لي أن أصوغ الجواب على النحو التالي.

إن الدور الأهم للبنوك المركزية هو ضمان انخفاض التضخم واستقراره. ومع استمرار الضغوط التضخمية في عدد من البلدان الرئيسية، لا بديل عن الالتزام الراسخ بالحفاظ على استقرار الأسعار. ويعني ذلك أن "فرسان" السياسة النقدية لن يهبّوا إلى إنقاذ المالية العامة، لا في صورة أسعار فائدة أساسية أدنى من المستوى الأمثل، ولا من خلال برامج جديدة لشراء الأصول.

ومع استبعاد جميع البدائل، لا يبقى سوى الجهد المالي المضني: مفاضلات اجتماعية بالغة الصعوبة بين خفض النفقات الأولية وزيادة الضرائب، بهدف تحقيق ضبط مالي موثوق على المدى المتوسط. غير أن بلدانا عديدة لم تحسم هذه الخيارات بعد. ونصيحتنا أنه لا مجال لمزيد من التأجيل.

وأعاود الحديث عن الابتكار لأؤكد أنه مهما بلغ التشرذم بعالمنا، فإن التكنولوجيا دأبت على جمع ما تفرق، يكفي أن نتأمل السفر الجوي أو الإنترنت أو نظام تحديد المواقع العالمي: فجميعها تتجاوز الحدود ليغدو كوكبنا أصغر وأكثر ترابطا.

وفي مجال المدفوعات الدولية، لم نشهد بعد التحول الجذري المنشود. لكن من منظور المنطق الاقتصادي، فإنني على ثقة بأننا سنبلغ هذه الغاية. فلنعمل إذن على تهيئة الظروف الملائمة لجني منافعها وإدارة المخاطر المصاحبة لها.

مدير عام صندوق النقد الدولي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية