السبت, 29 أغسطس 2026|15 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

ارتفاع أسعار خوادم "إنفيديا" بأكثر من 15% يعزز الضغوط لرفع كفاءة استخدام الرقائق

تجربة "ديب سيك" تكشف قدرة البرمجيات الأكثر كفاءة على خفض احتياجات ذاكرة الرقائق بنحو 96%

  • استثمار "إنفيديا" 6 مليارات دولار في تراخيص "بولسايد" يعكس تحول سباق الذكاء الاصطناعي نحو كفاءة البنية التحتية

الخلاصة

شركة "إنفيديا" رفعت أسعار خوادم الذكاء الاصطناعي بأكثر من 15% بسبب زيادة تكاليف مكونات الذاكرة. كبار العملاء مثل "ميتا" و"مايكروسوفت" يعيدون تقييم استخدام الرقائق. شركات صينية طورت برمجيات أكثر كفاءة لتقليل الحاجة للرقائق. "إنفيديا" استثمرت 6 مليارات دولار في "بولسايد إيه آي" لتحسين كفاءة تدفق البيانات بين وحدات المعالجة.

عندما تجد شركة تقليدية أن تكاليف سلسلة التوريد لديها ارتفعت، فإنها عادة ما تتحمل الزيادة للحفاظ على رضا عملائها. لكن "إنفيديا" (Nvidia) ليست شركة تقليدية؛ فهي تتمتع بهوامش ربح إجمالية تبلغ 75%، وتستحوذ على ما بين 70% و90% من السوق العالمية لرقائق الذكاء الاصطناعي. لذلك، عندما رفعت الشركات المصنّعة لمكونات الذاكرة أسعارها، مررت "إنفيديا" الزيادة إلى عملائها. وبحسب "بلومبرغ نيوز"، ترفع الشركة الآن أسعار الخوادم التي تضم معالجاتها المسرّعة بأكثر من 15%.

مع ذلك، لن يثني هذا كبار عملاء التكنولوجيا، وهم من بين الشركات الأكثر امتلاكاً لرؤوس الأموال في التاريخ، عن شراء رقائق "إنفيديا". لكنه سيدفع على الأرجح إلى إعادة تقييم كيفية استخدام شركات مثل "ميتا بلاتفورمز" (Meta Platforms Inc) و"مايكروسوفت" و"أوبن إيه آي" (OpenAI) لهذه الرقائق. وستحتاج الشركات الأمريكية إلى البدء في التفكير بطريقة أقرب إلى نظيراتها في الصين، التي تعلمت، بعد سنوات من قيود التصدير، كيفية الالتفاف على القيود المفروضة على الرقائق عبر تطوير برمجيات أكثر كفاءة.

خذ مثلاً شركة "ديب سيك" (DeepSeek)، التي تتخذ من هانغتشو مقراً لها. بعدما حالت ضوابط التصدير الأمريكية دون شرائها أقوى رقائق "إنفيديا"، توصلت إلى طريقة لضغط احتياجات نماذج الذكاء الاصطناعي لديها من الذاكرة، عبر ابتكار اختصار رياضي ذكي يُعرف باسم "الانتباه الكامن متعدد الرؤوس" (multi-head latent attention). وخفّض ذلك احتياجات الشركة من ذاكرة الرقائق بنحو 96%، ما أتاح لها تطوير منتج عالمي المستوى بجزء بسيط من تكاليف الأجهزة المعتادة.

ابتكارات مماثلة لرقائق "إنفيديا"

في المقابل، كان بإمكان وادي السيليكون السعي إلى ابتكارات مماثلة لاستخدام أشباه الموصلات بكفاءة أكبر. بل كان ينبغي له أن يفعل ذلك بالفعل؛ إذ يتسم استخدام رقائق "إنفيديا" لمعالجة المهام الخاصة بالمستخدمين النهائيين بقدر لافت من عدم الكفاءة. وأخبرني مؤسس شركة ناشئة متخصصة في رقائق الذكاء الاصطناعي أخيراً أن شركات الذكاء الاصطناعي تستخدم أقل من 15% من القدرة النظرية لوحدات معالجة الرسوميات (GPUs) التابعة لـ"إنفيديا". وتشير تقديرات أخرى إلى أن هذه النسبة قد تنخفض إلى 5% فقط.

لكن المشكلة لا تكمن في وحدات معالجة الرسوميات نفسها، فهي آلات فائقة القوة تستطيع إجراء ملايين العمليات الحسابية في وقت واحد، وإنما في سيل المعلومات الذي يتعين عليها التعامل معه عندما تُربط آلاف الوحدات معاً داخل مركز بيانات. فالبرمجيات التي تشغّلها تجيد إخبار رقاقة واحدة بكيفية معالجة الرسوميات أو إجراء عملية حسابية، لكنها لم تُصمم لتوزيع بيانات نموذج ضخم للذكاء الاصطناعي على آلاف الرقائق في الوقت نفسه. وينتج عن ذلك اختناقات هائلة في حركة البيانات، فيما تظل الرقائق في وضع الخمول بانتظار أن تنقل البرمجيات الأرقام فيما بينها.

حتى الآن، تعاملت شركات التكنولوجيا العملاقة مع المشكلة ببساطة عبر شراء مزيد من الرقائق لتعويض أوجه عدم الكفاءة. فقد كانت قادرة على تحمل التكلفة، كما أن خوض سباق ذكاء اصطناعي سريع الوتيرة جعل من الصعب تخصيص الوقت لإعادة كتابة ملايين الأسطر من الشفرات البرمجية الراسخة المستخدمة في تشغيل المعالجات، خصوصاً مع استمرار "إنفيديا" في طرح معماريات جديدة للرقائق.

يُحسب لـ"أوبن إيه آي" و"ميتا" أنهما حاولتا تطوير أدوات برمجية جديدة ولغة برمجة لتحسين الأداء و"إبقاء وحدات معالجة الرسوميات منشغلة". لكن هذه المحاولات اتضح أنها جهود مجزأة لم تعالج مشكلات البنية التحتية الأوسع نطاقاً في برمجيات مراكز البيانات.

طفرة الذكاء الاصطناعي

رغم كل الحديث عن الطلب المستمر والهائل على القدرة الحاسوبية باعتباره ما يُبقي طفرة الذكاء الاصطناعي مستمرة، يقول حتى العاملون داخل القطاع إن القدرة الحاسوبية اصطدمت بحدود مادية صارمة قبل سنوات. وقال لي أحد رواد أعمال أشباه الموصلات للذكاء الاصطناعي أخيراً: "نحن الآن في عالم نحتاج فيه إلى أداء أكبر من أي وقت مضى، لكن الفيزياء استنفدت ما لديها".

لذلك، لا تستطيع شركات التكنولوجيا ببساطة الانتظار حتى تصبح الرقائق أسرع. ومن المؤكد أنها لن تصبح أرخص. وتعرف "إنفيديا" جيداً إلى أين يمكن أن ينتهي هذا المسار: إلى شركات صينية تعلمت كيفية الالتفاف على قيود التصدير، وطوّرت أدوات فائقة الكفاءة للذكاء الاصطناعي تزداد شعبيتها في الغرب. وتشكل نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على أداء مهامها دون الحاجة إلى قدر كبير من قوة الرقائق تهديداً واضحاً لـ"إنفيديا".

لهذا أنفقت الشركة أخيراً 6 مليارات دولار على تراخيص من شركة "بولسايد إيه آي" (Poolside AI) الناشئة، ومقرها سان فرانسيسكو، التي تعمل برمجياتها كنوع من شرطي المرور للبيانات المتدفقة بين آلاف وحدات معالجة الرسوميات داخل مراكز البيانات، إذ تعيد تنظيم تدفقاتها بحيث تعمل بكفاءة أكبر.

وفي هذا السياق، قال إيسو كانت، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة "بولسايد"، في حديث معي أخيراً، إن الطبيعة الفوضوية للبنية التحتية لمراكز البيانات تعني أنه إذا كان بناء نماذج الذكاء الاصطناعي عملية صناعية، فإنك "تقضي كل وقتك في تحسين المصنع نفسه".

وأضاف كانت: "يرى الناس جولات التمويل الضخمة هذه، بعشرات المليارات... ويعتقدون أن هذا هو ما يتطلبه تدريب نموذج شديد الكفاءة، وهذا غير صحيح". ويقول كانت إن "بولسايد" تمكنت من تدريب نموذجها للبرمجة "لاغونا" في نحو ثمانية أسابيع، باستخدام تقنيات لتعزيز الكفاءة لبناء نظام يتفوق على نماذج أكبر بكثير يمكن أن تصل تكلفة تطويرها إلى مئات الملايين من الدولارات.

سباق الذكاء الاصطناعي

لكن نهج "بولسايد" يوضح الاتجاه الذي قد يتحول إليه سباق الذكاء الاصطناعي. فقد نجح الفائزون في المرحلة الأولى من المنافسة بالاعتماد على القوة المالية الهائلة: فمن كان يمتلك أكبر قدر من المال لشراء كميات ضخمة من القدرة الحاسوبية ظل في الصدارة. إلا أن تنامي نفوذ الصين في الذكاء الاصطناعي أظهر أن رأس المال وحده لم يعد يضمن الهيمنة، كما أن زيادة "إنفيديا" للأسعار تجعل تبرير هذا النهج أكثر صعوبة.

ويُظهر إصدار سندات بقيمة 5.5 مليار دولار أسترالي (3.9 مليار دولار) نفذته "ألفابت" (Alphabet Inc) في أستراليا في وقت سابق من هذا الشهر لتمويل مراكز البيانات التابعة لها أن حتى عمالقة التكنولوجيا ربما يقتربون من الحدود القصوى لما يمكنهم إنفاقه من أموال.

في المحصلة، لم يعد بوسع وادي السيليكون أن يواصل ضخ الأموال في الذكاء الاصطناعي ببساطة كي يحافظ على الصدارة. وبدلاً من ذلك، يحتاج إلى تبني نهج الصين المقتصد في البرمجيات، والبدء في كتابة شفرات أكثر ذكاءً.

كاتبة عمود في بلومبرج ويغطي التكنولوجيا. مراسلة لصحيفة وول ستريت جورنال وفوربس سابقا، ومؤلفة كتاب "نحن مجهولون".

خاص بـ "الشرق بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية