الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 19 أبريل 2026 | 2 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

أين سنتجه بعد أزمة المضيق؟

نايف الدندني
السبت 4 أبريل 2026 14:7 |3 دقائق قراءة

‏يُخطئ من يعتقد أن أسعار وأزمة الطاقة الحالية ستنتهي بمجرد إعلان وقف الحرب وفتح المضيق، إننا نعيش نقطة تحول تاريخية في هيكلة الاقتصاد العالمي وستبقى معنا لوقت ليس بالقصير إن لم تكن للأبد! لقد تصاعدت وتيرة الأحداث الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة بشكل متسارع ودراماتيكي بشكل ينبئ بمستقبل يحمل كثيرا من معالم تغيير هيكلة الاقتصاد العالمي وأسواق النفط على وجه الخصوص، بينما كان للإرهاصات والتجاذبات السياسية التي شهدتها المنطقة نتيجة الحرب على إيران وخصوصاً ورقة النفط التي كانت أبرز معالمها استهداف المنشآت النفطية الحساسة في دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز الذي يغذي العالم بأكثر من 20% من احتياجاته من النفط من قبل إيران، أثر كبير وبالغ الحساسية، حيث صعدت بأسعار النفط إلى أرقام تاريخية قياسية لم تصلها منذ اكتشاف النفط في القرن الثامن عشر.

في خضم الحرب وإغلاق مضيق هرمز تجاوز سعر خام عمان في بورصة دبي مستوى 166 دولاراً للبرميل في أعلى سعر تم تسجيله منذ إنتاج أول برميل نفط من باطن الأرض. بينما اقترب خام برنت من مستوى 120 دولاراً للبرميل الأعلى منذ ارتفاعاته بعد اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية.

المضيق الذي لم يشكل نقطة اختناق في حرية وصول ناقلات النفط والأسمدة والمواد البتروكيماوية فحسب بل شكل نقطة اختناق سياسية بين الإدارة الأمريكية وعدة حكومات وتحالفات حول العالم حيث تبادلت الإدارة الأمريكية الاتهامات مع الناتو والصين والدول الأوروبية بأنها لا تقوم بما يكفي لحماية المضيق مما أسمته الولايات المتحدة ابتزازا إيرانيا.

في المقابل ضاق منتقدو سياسات ترمب ذرعاً أكثر من ضيق المضيق نفسه بسبب مواقفه المتباينة، فبين تصريحاته التي قالت إن سيناريو الإغلاق لم يدرس عند اتخاذ قرار الحرب ولم يكن متوقعاً وبالتالي لم تكن هناك خطة واضحة للتعامل معه إلى القول إن الولايات المتحدة لا تهتم بأمر المضيق لأنها مستقلة طاقوياً ولا تحتاج للنفط الذي يمر خلاله إلى انتقاد شرس لحلف الناتو ولحلفاء الولايات المتحدة الذين رفضوا الانخراط في عمليات حماية عسكرية تضمن حرية مرور ناقلات النفط من وإلى المضيق، وانتهاء بالتهديد بتدمير مرافق ومنشآت الطاقة الإيرانية إن هي لم تفتح المضيق خلال مهلة قدرها 48 ساعة بدأت وقت إعلانه الأحد الماضي.

 وأياً كانت نتيجة التهديد ونتيجة الحرب النهائية التي لا يستطيع التنبؤ بمآلاتها وحتى لو وضعت الحرب أوزارها اليوم فإنني أعتقد جازماً أننا تجاوزنا نقطة العودة إلى ما قبل الحرب فيما يتعلق بشكل وهيكلة أسواق النفط، واعتبار الحصول عليها بشكل آمن ومستدام هو أمر مسلم به. لقد أصدرت هذه الأزمة إنذاراً وتحذيراً بأن اعتبار مصادر الطاقة وممراتها وتدفقها للأسواق وضمان استمراريتها بشكل يحتوي على قليل من المخاطر هو أمر يجب أن يعاد النظر فيه وإعادة تقييمه.

كما أن النفط الذي يؤمن المتخصصون الاقتصاديون بأن ارتفاعات أسعاره لفترة طويلة قد تقود لتضخم وقد يتبعه ركود قد تستمر أسعاره في الارتفاع رغم التبعات الاقتصادية المتوقعة، فالأزمة التي خلقتها ظروف الحرب في المنطقة أظهرت بشكل جلي أن الممرات الآمنة وضمان استمراريتها أصبحت لها تكلفة حقيقية كما أن ضمان الأمن والاستقرار لمنابع النفط ومصادر الطاقة هو تكلفة حقيقية يجب أن تؤخذ في الحسبان وهو ما يشكل إعادة هيكلة بصيغة جديدة ومختلفة تبنى عليها الحسابات الجديدة.

لقد أصبح واضحاً وجلياً أن العودة إلى أسواق وممرات آمنة تتطلب كثيرا من الاعتبارات التي لم تكن في معادلة الأسواق ما قبل الحرب، فحرية المرور وسهولة الوصول والموانئ البديلة وحماية شبكات النقل وخطوط الإمداد ومرونتها والمنشآت النفطية وتأمينها ومواجهة ارتفاع تكاليف التأمين والخيارات البديلة، كل ذلك أصبح اعتبارات يجب أن تؤخذ في الحسبان، وهي بلا شك ستقود إلى إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي وإعادة لرسم خريطة أسواق النفط والغاز والطاقة عموماً.

خبير استراتيجي في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية