الأربعاء, 30 سبتمبر 2026|17 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

ما القيمة الاقتصادية لكلمة «أخضر» إذا استطاع استخدامها من استثمر في تحسين منتجه ومن لم يفعل؟ قد تتحمل شركة تكلفة تغيير المواد الخام، وخفض استهلاك الطاقة، وتطوير الإنتاج، ثم تجد منافساً يقدم الوعد البيئي نفسه دون أن يتحمل التكلفة ذاتها. وعندما يعجز المشتري عن التمييز بينهما، تصبح المشكلة أكبر من عبارة تسويقية مبالغ فيها؛ إذ تمس توزيع الطلب والعائد، والحافز على الاستثمار في التحسين الحقيقي.

في 27 سبتمبر 2026، حلّ الموعد الذي حدده التوجيه الأوروبي لتمكين المستهلكين للتحول الأخضر لتطبيق قواعده الجديدة. وتشمل هذه القواعد قيوداً إضافية على الادعاءات البيئية العامة وشعارات الاستدامة غير الموثوقة. وأهميتها الاقتصادية لا تقتصر على تغيير ما يُكتب على العبوة، وإنما تمتد إلى تكلفة تقديم الوعد البيئي، والقدرة على الدفاع عنه.

فالادعاء العام، مثل وصف المنتج بأنه «صديق للبيئة»، يحتاج إلى أداء بيئي متميز معترف به وذي صلة بالادعاء، وفق الشروط المحددة. ولا يكفي أن تمتلك الشركة معلومة صحيحة عن تحسن محدود لتبني عليها وصفاً أوسع. فهناك فرق بين صحة البيانات، وصلاحيتها لإثبات المعنى الذي ينقله الإعلان إلى المستهلك.

لنفترض أن مصنعاً يستخدم مواد معاد تدويرها بنسبة 30 % في جسم عبوة. هذه معلومة محددة يمكن التحقق منها، لكنها لا تثبت وحدها أن المنتج بأكمله أفضل بيئياً؛ إذ لا تخبرنا بشيء عن محتواه أو نقله أو استخدامه. هنا قد ينشأ التضليل من توسيع دلالة المعلومة، لا من اختلاقها. فالدليل على تحسن جزء لا يساوي دليلاً على تحسن الكل.

ويظهر هذا التمييز في التعويضات الكربونية أيضاً. فالقواعد تحظر وصف المنتج بأنه محايد أو أقل أو إيجابي الأثر من حيث انبعاثات غازات الدفيئة، عندما يستند الوصف إلى التعويض عن الانبعاثات. وقد تكون وثيقة التعويض صحيحة، لكنها لا تجعل هذا الادعاء جائزاً. فتمويل نشاط مناخي خارج المنتج يختلف عن إثبات الأداء المنسوب إلى المنتج نفسه.

اللافت أن هذه القيود تتزامن مع تخفيف بعض التزامات الاستدامة المؤسسية. ففي فبراير 2026، أقر مجلس الاتحاد الأوروبي تعديلات تقلص نطاق متطلبات تقارير الاستدامة والعناية الواجبة، وتستهدف الحد من الأعباء التي تنتقل إلى الشركات الأصغر. ولذلك لا يمكن قراءة المشهد باعتباره تشدداً متصاعداً في جميع الاتجاهات؛ فمتطلبات الإفصاح المؤسسي وشروط التسويق للمستهلك تتحرك في مسارين مختلفين.

وتكشف المقارنة عن تمييز مهم: ما تُلزم الشركة بإعداده ليس هو ما تختار أن تعد به. فقد تنخفض متطلبات التقرير المفروضة عليها، بينما تبقى مسؤولة عن الميزة البيئية التي تستخدمها لجذب المشترين. ومن هنا، فإن تخفيف عبء الإفصاح لا يعني بالضرورة تخفيف مسؤولية الوعد.

ويتصل ذلك بتغيرات أخرى في التجارة الدولية. فمنذ يناير 2026، دخلت آلية تعديل الكربون الأوروبية على الحدود مرحلتها النهائية للسلع المشمولة، وربطت التزامات الاستيراد بالانبعاثات المتضمنة في تلك السلع. وتختلف وظيفة الآلية عن قواعد الإعلان، لكن كليهما يمنح المعلومات المتعلقة بالإنتاج أهمية تتجاوز الملف الفني الداخلي للشركة.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بينهما. فقواعد الادعاءات المعنية تنظم الممارسات التجارية الموجهة إلى المستهلك، وليست شهادة بيئية عامة مفروضة على كل شحنة مستوردة، كما أن نطاقها الأوروبي المنسق لا يشمل المعاملات بين الشركات. وهذا يميز بين مشروعية بيع السلعة ومشروعية الوصف البيئي المستخدم لتسويقها.

بالنسبة إلى المصدرين إلى السوق الأوروبية، أياً كانت بلدانهم، قد يصل الأثر عبر العلاقة مع العميل. فعندما تعتمد علامة تجارية على خصائص مكوّن مستورد لتسويق ميزة بيئية، قد تطلب من منتجه بيانات أكثر تفصيلاً، أو تحققاً إضافياً، أو إخطاراً عند تغيير المواد ومصادر التوريد. وبهذه الطريقة يمكن أن تنتقل متطلبات الإثبات عبر العقود، حتى إلى مورد لا يخاطب المستهلك الأوروبي مباشرة.

وهنا يصبح توزيع التكلفة والمسؤولية مسألة تفاوضية. فإذا تحمل المصنع تكلفة تحسين الإنتاج وتوثيقه، بينما استخدمت العلامة التجارية تلك البيانات لتحقيق عائد تسويقي، فإن قيمة البيانات تستحق أن تدخل في حساب العلاقة التعاقدية. وكذلك حدود استخدامها، وتكلفة تحديثها، وما يحدث إذا تجاوز الإعلان ما تسمح بإثباته. فالسؤال لم يعد مجرد وجود شهادة، وإنما ما تثبته، ولأي منتجات، وخلال أي فترة.

ويكشف ذلك أيضاً عن ضعف الاكتفاء بمراجعة الإعلان عند اكتماله. ففي مثال العبوة، قد يؤدي تغيير أحد الموردين إلى انخفاض نسبة المواد المعاد تدويرها، بينما يستمر تداول العبوة والإعلان القديمين. عندئذ تكون الصياغة قد فقدت دقتها نتيجة قرار في المشتريات أو الإنتاج. ولهذا، فإن إدارة المخاطر المرتبطة بالادعاء تحتاج إلى اتصال مستمر بين من ينتج البيانات ومن يعتمدها ومن يستخدمها، لا إلى موافقة تسويقية لمرة واحدة.

لكن زيادة أهمية الإثبات تفتح سؤالاً اقتصادياً آخر: هل تتساوى الشركات في قدرتها على تحمل تكلفته؟ إذا كانت للقياس والتحقق تكلفة ثابتة مرتفعة، فقد تستطيع شركة كبيرة توزيعها على مبيعات واسعة، بينما تتحمل منشأة أصغر تكلفة أعلى لكل وحدة. وعندها قد تنشأ أفضلية لصاحب القدرة الأكبر على التوثيق، لا لصاحب الأداء البيئي الأفضل وحده. وهذه نتيجة محتملة ينبغي تمييزها عن الهدف المعلن للقواعد.

وفي الاتجاه المقابل، قد تساعد الأدلة الموثوقة الشركة التي استثمرت فعلياً في تحسين منتجاتها على إظهار الفرق بينها وبين منافسيها. لكنها لا تضمن سعراً أعلى أو عقداً جديداً؛ فذلك يظل مرتبطاً باهتمام المشتري بالميزة، وبالسعر والجودة والبدائل المتاحة. الدليل يتيح الدفاع عن القيمة البيئية، لكنه لا يحدد وحده مقدار ما سيدفعه السوق مقابلها.

من هذه الزاوية، يمكن فهم إعادة تسعير الادعاء الأخضر. فالمقصود ليس رسماً على كلمة، وإنما إدخال تكلفة القياس والتحقق والتحديث والمسؤولية في حساب استخدامها. وبالنسبة إلى الشركات والمصدرين، تصبح المسألة قراراً اقتصادياً متكاملاً: أي ميزة نستثمر فيها، وكيف نثبتها، وما العائد المتوقع منها، ومن يتحمل مخاطر عرضها؟

ستتضح آثار هذه القواعد مع التطبيق، لكن السؤال الذي تضعه أمام التجارة واضح: كيف يتحول التحسن البيئي الحقيقي إلى قيمة قابلة للتبادل، دون أن تستهلك تكلفة إثباته معظم عائده؟ الإجابة لن تُكتب على العبوة وحدها؛ بل ستظهر في نظم البيانات، وعقود التوريد، وتوزيع المسؤولية بين أطرافها. ففي المنافسة على الاستدامة، لا يكفي أن يتحسن المنتج؛ المهم أيضاً أن يعرف السوق ما الذي تحسن، وأن يجد سبباً موثوقاً لتصديقه.

مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

منتدى الاقتصادية 2026