دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، مع تباطؤ نمو إيرادات الشركة إلى 16.8 مليار دولار في الربع الثالث، ما يهدد طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. تواجه الصناعة ارتفاع التكاليف وتراجع الطلب، ما يثير تساؤلات حول جدوى إنفاق تريليونات الدولارات على البنية التحتية.
دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" (Anthropic PBC)، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، وسبق أن قدّر احتمال أن تسفر هذه التقنية عن نتائج "بالغة السوء" للبشرية بنسبة 25%. لكن قبل أن تعيد تقنياتها تشكيل العالم، تُحدث "أنثروبيك" صدمة فورية في وول ستريت، بعدما سجلت تباطؤاً حاداً في نمو إيراداتها يهدد بتقويض طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التي تُقدر قيمتها بتريليونات الدولارات.
قبيل اكتتاب عام أولي مرتقب بشدة، أبلغت "أنثروبيك" المستثمرين المحتملين بأن إيراداتها بلغت 16.8 مليار دولار في الربع الثالث، بزيادة تقل على 50% مقارنة بالربع المنتهي في يونيو، وهو تباطؤ ملحوظ عن معدلات النمو المكونة من 3 أرقام في وقت سابق من العام الجاري، ما يشير إلى احتمال انحسار زخم النمو.
ومن المتوقع أن تبلغ إيرادات الشركة على أساس سنوي نحو 74 مليار دولار، بارتفاع طفيف عن مستوى 65 مليار دولار المسجل بنهاية يوليو، وفق تقديرات "سيمي أناليسيس" (SemiAnalysis). وفور انتشار الأنباء، تعمقت موجة الهبوط العالمية في أسهم شركات الرقائق الإلكترونية، إذ تراجع مؤشر "كوسبي" (Kospi) الكوري الجنوبي بنسبة 9.3%، فيما انخفض مؤشر "نيكاي 225" (Nikkei 225) الياباني بنسبة 5.4%.
يهدد التباطؤ الحاد في أداء "أنثروبيك" بأن يطغى على النتائج المالية القوية المنتظرة خلال موسم إعلان الأرباح الحالي، ويعيد رسم المعادلات الاقتصادية لدورة التمويل التاريخية للذكاء الاصطناعي في وول ستريت. فقبل أيام قليلة، كانت البنوك ترتب تمويلاً بقيمة 60 مليار دولار لرقائق الذكاء الاصطناعي لصالح "أنثروبيك"، وتسعى إلى توفير 50 مليار دولار إضافية لمنافستها الرئيسية "أوبن إيه آي" (OpenAI). أما في سوق الأسهم، فمن المتوقع أن تبدأ "أنثروبيك" الترويج لاكتتابها العام الأولي مطلع نوفمبر، وسط تقديرات سوقية بأن تقييم الشركة قد يصل إلى تريليوني دولار.
ارتفاع التكاليف يعطل مشاريع الذكاء الاصطناعي
هل يعكس أحدث رقم لإيرادات "أنثروبيك" تباطؤاً أوسع نطاقاً في القطاع؟ يشير استطلاع حديث شمل نحو 400 شركة، وأُجري خلال أبريل ومايو، إلى أن فترة التفاؤل ربما انتهت بالفعل. فمع تحوّل الصدمة من ارتفاع تكاليف الذكاء الاصطناعي من ظاهرة نادرة إلى أمر معتاد، أرجأت مؤسسة واحدة من كل 4 مؤسسات مبادراتها في هذا المجال أو ألغتها تماماً، ما يكشف أن طلب الشركات أكثر حساسية للأسعار بكثير مما افترضته وول ستريت.
وتتوالى المؤشرات التحذيرية في أنحاء القطاع، إذ واجه المستثمرون ذوو الانكشاف الكبير على الذكاء الاصطناعي سلسلة من التطورات المقلقة، بدأت بإعلان شركة "سي إكس إم تي" الصينية (CXMT Corp) تحقيق اختراق تقني في صناعة رقائق الذاكرة، بعد أقل من 3 أشهر على إدراج أسهمها في البورصة. ويهدد هذا التطور بتقويض هيمنة 3 شركات على السوق، والذي طال أمده، وهذه الشركات هي "سامسونج إلكترونيكس" (Samsung Electronics) و"إس كيه هاينكس" (SK Hynix) و"ميكرون تكنولوجي" (Micron Technology).
في الوقت نفسه، تتشدد أسواق الائتمان تجاه مزودي خدمات الحوسبة السحابية الجدد ذوي التصنيفات الائتمانية دون الدرجة الاستثمارية، الذين يؤجرون قدرات الحوسبة لمطوري نماذج الذكاء الاصطناعي. وتقلص البنوك تعهداتها بتغطية قروض تمويل الرقائق الإلكترونية، فيما تُلغى اكتتابات عامة أولية لشركات الحوسبة السحابية الجديدة من سيدني إلى سنغافورة، وقفزت عوائد سندات "كور ويف" (CoreWeave)، إحدى الشركات الرائدة بالقطاع، إلى 15%. مع ذلك، قد تكون هذه المخاوف عابرة. فربما تمتلك "سي إكس إم تي" نموذجاً أولياً، لكن الإنتاج الضخم مسألة مختلفة تماماً. كما قد تتحسن الأوضاع المالية للشركات ذات التصنيفات الائتمانية دون الدرجة الاستثمارية أيضاً بمجرد استقرار عوائد السندات العالمية.
تباطؤ الطلب يهدد استثمارات بتريليون دولار
في المقابل، يشكل التباطؤ الحاد في نمو "أنثروبيك"، الذي يُرجح أنه ناجم عن تراجع طلب الشركات واحتدام حرب الأسعار مع "أوبن إيه آي"، تحولاً جوهرياً في حسابات وول ستريت. وتضع هذه الأرقام المستثمرين أمام سؤال حاسم: هل هناك ما يبرر إنفاق تريليون دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أم أن السوق تعاني بالفعل فائضا في القدرات؟ ومع تقديرات تتجاوز 30 مليار دولار لتكلفة إدخال قدرة حوسبية تبلغ جيجاوات واحداً حيز التشغيل، يصبح الانضباط في الإنفاق الرأسمالي مرهوناً بالكامل بطلب المستخدمين النهائيين. لطالما حذر متشككون، من بينهم راي داليو، من اقتراب طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من نقطة الانهيار. وتقدم أرقام "أنثروبيك" دليلاً رقمياً واضحاً يدعم موقف الملياردير.
كاتب عمود في بلومبرغ @bopinion
خاص بـ " الشرق بلومبرغ"
