محمد كركوتي
بصرف النظر عن السرعات البطيئة التي اتسمت بها المفاوضات والاتصالات والمشاورات بين الاتحاد الأوروبي والهند بشأن اتفاقية للتجارة الحرة بينهما، إلا أن ارتفاع مؤشر سرعتها بدأت عملياً بوصول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مرة أخرى. الأخير، لم يتحرك على الفور فقط من أجل فرض تعريفات جمركية مرتفعة على غالبية الدول، بل أعاد تعريف الحلفاء والأصدقاء، الأمر الذي خلط الأوراق تماماً.
أوروبا الغربية الحليف التاريخي والإستراتيجي للولايات المتحدة لم تعد كذلك، وكذلك دول أخرى مثل كندا والمكسيك القريبتان جداً من البر الأمريكي، وغيرهما حول العالم. كان لا بد من تسريع المفاوضات بين أوروبا والهند، تماماً كما فعلت بريطانيا بعقد اتفاقيتين سريعتين مع الصين، كرد غير معلن على التوجه الأمريكي.
لم يحدث أن وصفت اتفاقية ضمن نصوصها بأنها "أم الاتفاقيات". لكن اتفاقية بروكسل ونيودلهي كانت استثناء، ما يؤكد مرة أخرى على مجموعة أشياء، أهمية الاتفاقية بين اقتصادين كبيرين، وتكريس حقيقة التحولات السياسية والاقتصادية بفعل سياسات ترمب، وتحرير التجارة بالكامل بين الطرفين، وتوفير البيئة المثالية للاستثمار، مع مجموعة من الالتزامات التي تغطي كل القطاعات والمجالات.
المفاوضات الهندية الأوروبية، توقفت (كما هو معروف) في العام 2013، بسبب خلافات لم تنته حتى وقت قريب حول التعريفات الجمركية، إلى جانب طبعاً مسائل تخص الملكية الفكرية، والوصول إلى الأسواق، وغيرها من ملفات جمدت المفاوضات المشار إليها. إلا أن المعطيات الراهنة على الساحة الدولية، دفعت الطرفين إلى التزام المرونة، من أجل تحقيق الهدف الأهم، وهو الاتفاقية.
ويبدو واضحاً، أن الضغوط الآتية من السياسة الأمريكية على أوروبا والعالم، دفعت القارة العجوز إلى التساهل في مسألة التعاون الوثيق بين الهند وروسيا، حيث تخضع الأخيرة لسلسلة لا تنتهي من العقوبات، بفعل الحرب على أوكرانيا. المصالح الراهنة تتطلب هذه المرونة، ولا سيما في ظل تصاعد كبير في حجم التجارة الثانية بين الطرفين، حيث وصلت في العام الماضي إلى أكثر من 136 مليار دولار. والأمر لا يتوقف عند المسار التجاري، بل يشمل، الخدمات والتعاون التنظيمي، والاستثمار، وغيرها.
فهذه الاتفاقية ستخفض مثلاً، ما نسبته 97% من الرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية، في حين أن الأرضية ستكون ممهدة لزيادة حجم هذه الصادرات في السنوات القليلة المقبلة. والأمر على الهندي، بات مطلوباً أكثر من أي وقت مضى، لأن المسألة تشمل وصولاً ميسراً للسلع والخدمات الهندية إلى السوق الأوروبية.
عوائد هذه الاتفاقية التاريخية التي دامت المفاوضات حولها عقدين من الزمن، كبيرة جداً، كما أنها تدعم علاقة مجذرة مع الجانب الأوروبي، الذي يستعد لاستقطاب بريطانيا مجدداً إلى نطاق السوق، ما يوسع الساحة الاقتصادية الأوروبية في المرحلة المقبلة. ولا بد من التأكيد مجدداً أن الاتفاقية المشار إليها، اكتملت بوتيرة أسرع، ومرونة أكبر، بفعل ما يجري على الساحة الاقتصادية العالمية كلها.
كاتب اقتصادي
