عبد الرحمن النمري
في رأيي، لم تعد الطاقة مجرد سلعة اقتصادية تخضع لقوانين العرض والطلب، بل أصبحت أداة ضغط سياسي واستراتيجي تُستخدم بوضوح في إدارة الصراعات الدولية. واليوم، ومع وصول سعر خام برنت إلى مستوى 112 دولارًا للبرميل، نشهد مثالًا صارخًا على ذلك من خلال التصعيد الأمريكي الأخير تجاه إيران.
التهديد الذي أطلقه دونالد ترمب بفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، أو استهداف محطات الطاقة الإيرانية، ليس مجرد تصريح سياسي عابر، بل رسالة تحمل في طياتها استخدامًا مباشرًا لورقة الطاقة كسلاح جيوسياسي. هذا التهديد وحده كفيل بإعادة تسعير المخاطر في أسواق النفط العالمية، وهو ما بدأنا نراه بالفعل في تحركات الأسعار الحالية.
في اعتقادي، ستبقى أسعار النفط خلال هذه المهلة رهينة للتصريحات والتوقعات أكثر من أي عوامل أساسية أخرى. الأسواق الآن لا تتعامل مع أرقام إنتاج أو مخزونات، بل مع سيناريوهات تصعيد أو تهدئة. وهذا بحد ذاته يعكس هشاشة المرحلة الحالية.
بعد انتهاء مهلة الـ 48 ساعة، نحن أمام مسارين لا ثالث لهما. الأول، استجابة إيرانية بفتح مضيق هرمز، وهو ما سيُفسر كإشارة تهدئة، وقد يدفع أسعار النفط إلى التراجع دون مستوى 100 دولار للبرميل، لكن في رأيي سيكون هذا الانخفاض مؤقتًا، لأن جذور التوتر لم تُحل.
أما السيناريو الثاني، وهو الأرجح من وجهة نظري، فيتمثل في رفض إيران الاستجابة، ما سيقود إلى تصعيد أمريكي مباشر. في هذه الحالة، لن يكون مستغربًا أن نشهد أسعار النفط تلامس مستويات 140 دولارًا للبرميل خلال هذا الأسبوع، خاصة مع دخول عامل الخوف والمضاربات بقوة في السوق.
لكن ما يجب الانتباه له، أن كل هذه التحركات، رغم حدتها، تبقى في إطار إدارة الأزمة وليس حلها. في رأيي، ما نشهده اليوم هو مجرد محاولات مؤقتة للحفاظ على توازن هش في أساسيات السوق، خصوصًا فيما يتعلق بالإمدادات النفطية واستقرار سلاسل التوريد.
الاعتداءات الإيرانية السابقة على منشآت الطاقة في الخليج، وما تبعها من اختلال في منظومة الطاقة العالمية، ليست أحداثًا عابرة يمكن تجاوزها سريعًا. إعادة بناء الثقة بسلاسل الإمداد واستقرار الأسواق تحتاج إلى وقت طويل، وربما سنوات، وليس مجرد اتفاق أو تهدئة مؤقتة.
لذلك، أرى أنه حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، لن نشهد أسعار نفط أقل من 100 دولار للبرميل على المدى القصير. هذا المستوى أصبح أشبه بخط دعم نفسي قبل أن يكون اقتصاديًا.
أما على المدى المتوسط، فستعود الأسعار تدريجيًا إلى مستوياتها الطبيعية، لكن فقط بعد زوال تأثيرات الحرب، وانحسار حدة المضاربات، وعودة سلاسل الإمداد إلى حالة من الموثوقية الكاملة، وتجاوز مرحلة اللا يقين التي تسيطر على الأسواق اليوم.
الخلاصة، أن ما يحدث ليس مجرد أزمة أسعار، بل إعادة تشكيل لمعادلة الطاقة العالمية، حيث أصبحت القرارات السياسية أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، وأصبح النفط مرة أخرى في قلب الصراع الدولي، لا على الهامش.
مختص في شؤون الطاقة
