الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026|22 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يخرج الناخب الأمريكي من صندوق الاقتراع، يطوي ورقة التصويت ويتجه إلى سيارته. ربما انتهت لحظة الاختيار، لكن هناك فاتورة أخرى تنتظره في نهاية الشهر، لا يستطيع تأجيلها أو تجاهلها.

إيجار المنزل، وأسعار الغذاء، والوقود، والتأمين، وأقساط القروض. تفاصيل يومية قد لا تظهر في خطابات المرشحين للانتخابات النصفية، لكنها حاضرة بقوة في حسابات الناخب، وربما كانت أكثر تأثيرًا في قراره من كثير من الوعود الانتخابية.

فمنذ ديسمبر 2020، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي بنحو 29.4% حتى سبتمبر 2026. وبحساب توضيحي وفق متوسط المؤشر، فإن سلة إنفاق كانت تكلف 5 آلاف دولار أصبحت تعادل نحو 6470 دولارا اليوم. وهذه زيادة يصعب تجاهلها في ميزانية الأسرة، خصوصًا عندما لا تواكب المداخيل هذا الارتفاع في الأسعار.

ولم تكن التوترات الجيوسياسية والحرب بعيدة عن هذه المعادلة؛ فقد أعادت الضغوط على أسواق الطاقة والوقود إلى الواجهة، لتضيف أعباء جديدة على المستهلك الأمريكي، في وقت لم تتعافَ فيه الأسر بعد من موجة ارتفاع الأسعار التي بدأت قبل سنوات.

هنا تكمن المفارقة في الاقتصاد الأمريكي، فهناك استثمارات ضخمة، وطفرة في الذكاء الاصطناعي، وأسواق مالية تحقق مكاسب، لكن المواطن لا يعيش داخل مؤشرات البورصة، ولا يدفع فواتيره بمعدلات النمو .. إنه يعيش داخل منزله، ويقيس الاقتصاد بما يتبقى من راتبه بعد نهاية الشهر.

تظهر الفجوة بين الاقتصاد الذي تقيسه المؤشرات والاقتصاد الذي يعيشه الناس بوضوح في استطلاع مشترك لواشنطن بوست وإيه بي سي نيوز وإيبسوس، نُشرت نتائجه في أكتوبر الماضي ، فقد وصف 75% من الأمريكيين حالة الاقتصاد بأنها سيئة أو غير جيدة، فيما قال 48% إن أوضاعهم المالية أصبحت أسوأ مما كانت عليه عند تولي ترمب الرئاسة في يناير 2025، مقابل 15% قالوا إنها أصبحت أفضل، بينما رأى 36% أنها لم تتغير.

المشكلة ليست فقط في ارتفاع الأسعار، بل في أن المواطن لا يستفيد بالضرورة من النمو الاقتصادي بالقدر الذي تُبرزه المؤشرات والأسواق المالية. وقد تحقق الشركات مكاسب كبيرة، فيما تظل الأسر منشغلة بتدبير نفقاتها الأساسية.

حتى الدين الأمريكي، الذي بلغ نحو 40.25 تريليون دولار في مطلع أكتوبر 2026، أصبح جزءًا من المشهد الاقتصادي. فقد تجاوز صافي مدفوعات الفائدة عليه تريليون دولار خلال السنة المالية الحالية، ما يضيّق مساحة المناورة أمام الحكومة في الإنفاق والاستثمار، ويضع أعباء الاقتراض المستقبلية أمام الأجيال المقبلة.

ولا يمكن فصل هذه الصورة عن السياسة الاقتصادية لإدارة الرئيس دونالد ترمب، من الرسوم الجمركية إلى الإنفاق والاقتراض، وما تثيره هذه الخيارات من أسئلة حول كلفتها على الشركات والمستهلكين، ومدى قدرتها على تحقيق مكاسب اقتصادية تتجاوز أعباءها المباشرة. لذلك، فإن انتخابات التجديد النصفي ليست مجرد اختبار لشعبية الرئيس أو موازين القوة بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل اختبار لقدرة السياسة الاقتصادية على تحسين حياة الناس.

السياسي الأمريكي يستطيع أن يتحدث عن النمو والاستثمار والوظائف، لكن الناخب يملك مقياسًا أكثر بساطة: ماذا كان راتبي يشتري بالأمس، وماذا يشتري اليوم؟

قد تنخفض معدلات التضخم الأمريكي، وقد تعود الفائدة إلى التراجع ، لكن ذلك لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة؛ فتباطؤ ارتفاع الأسعار لا يمحو ما راكمته سنوات التضخم من أعباء على الأسر.

الناخب لا يصوّت على سجل تاريخي لأسباب التضخم بقدر ما يحاسب إدارة ترمب على قدرتها على معالجة نتائجه. وفي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، قد تتعدد الملفات وتحتدم المواجهة بين الحزبين، لكن الاقتصاد يبقى الرهان الأكثر حساسية لدى الناخبين. فاتورة المعيشة ليست تفصيلًا في السباق الانتخابي الأمريكي، بل قد تكون بيضة القبان في تقييم الناخبين لأداء الحزبين، وفي تحديد اتجاهات التصويت داخل صناديق الاقتراع.

مدير التحرير في صحيفة «الاقتصادية»

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية