تبين أن أسرع طريقة لبناء مخزون إستراتيجي من المعادن هي التهديد بفرض رسوم جمركية على الواردات دون تطبيقها فعلياً. فمنذ أن أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحقيقاً يتعلق بالأمن القومي بشأن واردات النحاس في فبراير 2025، ظل سعر النحاس في بورصة شيكاغو التجارية يتداول بعلاوة سعرية مقارنة بسعر بورصة لندن للمعادن، ما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من المعدن إلى الولايات المتحدة مستفيدة من فارق السعر (المراجحة).
وعندما أُعلن عن الرسوم الجمركية في نهاية يوليو من ذلك العام، كانت تقتصر على منتجات النحاس؛ ولم يصدر عن البيت الأبيض أي شيء ملموس بخصوص النحاس المكرر منذ ذلك الحين.
ولماذا قد يفعل ذلك؟
فالبلاد تمتلك الآن أكثر من مليون طن متري من النحاس، ولا تزال المزيد من الكميات تصل إليها بفضل العلاوة السعرية المرتبطة بالرسوم الأمريكية والمدمجة في سعر بورصة شيكاغو. لقد حققت الولايات المتحدة في غضون 18 شهراً ما استغرق سنوات لإنجازه خلال الحرب الباردة؛ إذ أصبحت تمتلك الآن ما يُرجح أن يكون ثاني أكبر مخزون للنحاس بعد المخزون الإستراتيجي للصين. والآن، يكمن التحدي في كيفية الحفاظ على هذا المخزون.
إعادة بناء المخزون
سارعت بورصة شيكاغو إلى توفير سعات تخزينية جديدة لاستيعاب الطفرة في تدفقات النحاس، حيث تم افتتاح نقاط تسليم جديدة في كل من أتلانتا وشيكاغو ولاريدو وممفيس وموبيل.
وقد شهدت المخزونات المسجلة في البورصة نمواً هائلاً، إذ ارتفعت من 88,595 طناً مترياً في فبراير من العام الماضي إلى 711,617 طناً في الوقت الراهن.
كما تضم مستودعات بورصة لندن للمعادن في الولايات المتحدة 127,300 طن إضافي من المخزونات المسجلة، و123,828 طناً من المخزونات غير الخاضعة لنظام الضمانات. وباحتساب المخزونات الموجودة خارج السوق الرسمية، يُقدّر المحللون في بنك "سيتي" إجمالي المخزون الأمريكي بنحو 1.1 مليون طن.
وهذا الحجم يفوق الآن المخزون الذي تم تجميعه خلال فترة الحرب الباردة. بلغ مخزون النحاس في احتياطي الدفاع الوطني الأمريكي ذروته عند ما يزيد قليلاً عن مليون طن قصير (900 ألف طن متري) في أوائل الستينيات، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي 1986.
شهد برنامج التخزين -الذي استمر لسنوات عدة وشمل أكثر من 100 نوع من المعادن والمواد الخام- تحولاً حاداً نحو التصفية في عام 1962، وذلك بعد أن أعرب الرئيس جون كينيدي عن دهشته لاكتشاف أن إجمالي قيمة المخزون تبلغ نحو 7.7 مليار دولار، وهو مستوى كان يفوق بكثير متطلبات الطوارئ.
وجرى بيع الاحتياطيات الإستراتيجية تدريجياً على مدى العقود اللاحقة؛ فبحلول 1971، انخفضت حيازات النحاس إلى 250 ألف طن قصير، وغادر آخر طن من النحاس المستودعات الحكومية في 1993. وبعد مرور أكثر من 3 عقود، عادت قضية أمن إمدادات المعادن لتتصدر أولويات البيت الأبيض، وكذلك الحال بالنسبة لمخزون النحاس الأمريكي.
الاحتفاظ بالمخزون يكمن الفارق الكبير بين الماضي والحاضر في أن المخزون الحالي مملوك للقطاع التجاري وليس للحكومة. يتواجد النحاس في الولايات المتحدة نتيجة لهيكل السوق، ومن الناحية النظرية، يمكن أن يغادرها مجدداً إذا طرأ تغير جذري وكافٍ على هذا الهيكل.
وفي الوقت الراهن، يقابل الجذب المستمر الناتج عن علاوة السعر في بورصة شيكاغو التجارية قوة جذب معاكسة ومتنامية من سوقي لندن وشنغهاي، حيث تشهد علاوات الأسعار الفورية ارتفاعاً استجابةً لتدفق كميات ضخمة من المعدن إلى الولايات المتحدة. وبالطبع، يتوقف كل شيء على ما إذا كان ترمب سيفرض رسوماً جمركية على النحاس المكرر أم لا. ومن بين الخيارات المطروحة حالياً: فرض الرسوم تدريجياً بنسبة 15% في 2027، لتصل إلى 30% في 2028.
وتكمن المشكلة التي تواجه البيت الأبيض في أن أي رسوم جمركية ثابتة قد تصبح بلا جدوى بفعل قوى السوق؛ فإذا تفاقم النقص في بقية أنحاء العالم بشكل حاد، فإن السعر العالمي سيرتفع ليتجاوز السعر في بورصة شيكاغو (CME)، بغض النظر عن الرسوم الجمركية المفروضة.
ثمة وسيلة أخرى للإبقاء على المعدن داخل البلاد، وهي توجيهه إلى "مشروع القبو"، وهو احتياطي جديد للمعادن يجمع بين القطاعين العام والخاص. ولكن، ونظراً لأن سعر تداول النحاس يبلغ 14,690 دولاراً للطن في لندن - بل وأعلى من ذلك في بورصة شيكاغو التجارية - فإن هذه الخطوة تنطوي على تكلفة باهظة، فضلاً عن وجود معادن حيوية أخرى عديدة، مثل المعادن الأرضية النادرة، التي يُرجح أن تحظى بالأولوية. ومع ذلك، فبعد أن باعت الولايات المتحدة مخزوناً سابقاً من النحاس، فإنها بالتأكيد لا ترغب في التفريط في مخزون آخر.يمكنك أن تدرك لماذا يترك البيت الأبيض السوق في حالة ترقب وتكهنات؛ فسياسة "الغموض الإستراتيجي" تؤتي ثمارها حالياً وتمنح الإدارة وقتاً لاتخاذ قرار بشأن كيفية التصرف في مخزونها المتنامي من النحاس.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
