السبت, 10 أكتوبر 2026|27 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

شهدت أسواق النفط العالمية خلال الأسبوع المنتهي في التاسع من أكتوبر 2026 حالة من التقلب الحاد، مدفوعة بتقاطع معقد بين التوترات الجيوسياسية المستمرة في الشرق الأوسط، والاضطرابات المناخية في خليج المكسيك، والتحركات السياسية الرامية إلى تهدئة أسعار الوقود المرتفعة. بقيت الأسعار مرتفعة في مستويات الثلاث خانات فوق حاجز الـ100 دولار لبرنت معظم أيام الأسبوع، رغم بعض الضغوط الهبوطية الناتجة عن إشارات دبلوماسية وإطلاق مخزونات استراتيجية، ما يعكس هشاشة التوازن بين العرض والطلب في سوق لا يزال يعاني تداعيات الحرب المستمرة منذ أشهر.

افتتحت الأسعار الأسبوع عند مستويات مرتفعة نسبياً، إذ استقر خام برنت حول 102 دولار للبرميل، بينما تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب 91 دولاراً. لكن المسار لم يكن خطياً؛ ففي يوم الخميس الثامن من أكتوبر قفزت الأسعار بأكثر من 4%، ليغلق برنت عند 104.28 دولار للبرميل (+4.1%)، وغرب تكساس عند 91.49 دولار (+3.6%). جاءت هذه القفزة مدفوعة بمخاوف متجددة من تصعيد عسكري محتمل في المنطقة، وتزامنها مع إغلاق واسع لإنتاج النفط البحري الأمريكي.

غير أن الأسعار تراجعت جزئياً يوم الجمعة بعد تصريحات طمأنة أمريكية، ليستقر برنت قرب 103 دولارات وغرب تكساس قرب 90.5 دولار. هذا التذبذب اليومي الذي تجاوز في بعض الجلسات 5 دولارات للبرميل يعكس حساسية السوق الشديدة لأي خبر يتعلق بالإمدادات.

‎يظل العامل الجيوسياسي هو المحرك الأبرز. استمرت الهجمات على الناقلات في مضيق هرمز، مع تسجيل أعلى وتيرة منذ اندلاع الصراع، فيما واصلت جماعة الحوثي استهداف مواقع في السعودية.

في المقابل، برزت إشارات دبلوماسية لافتة؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن «مناقشات مثمرة» مع إيران، وتعهد بعدم شن هجمات عسكرية إضافية قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر.

في الوقت نفسه، فرضت واشنطن عقوبات جديدة استهدفت أفراداً وشبكات و17 سفينة مرتبطة بنقل النفط والمنتجات الإيرانية. أما الجانب الإيراني، فقد أشار وزير الخارجية عباس عراقجي إلى أن طهران تراجع رداً أمريكياً على اقتراح يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام. هذه التطورات المتضاربة أبقت علاوة المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، ومنعت أي انخفاض حاد في الأسعار رغم تحسن نسبي في تدفقات النفط من الخليج.

‎أضاف إعصار «إيزياس»، أول إعصار في موسم الأطلسي لعام 2026، طبقة جديدة من الاضطراب. مع اقترابه من السواحل الشمالية لخليج المكسيك، أغلقت الشركات نحو 1.3 مليون برميل يومياً من الإنتاج النفطي، أي ما يعادل 62.9% من إجمالي الإنتاج البحري الأمريكي في المنطقة، إضافة إلى أكثر من 57% من إنتاج الغاز الطبيعي.

أجلي الموظفون من 121 منصة إنتاج، واتخذت شركات كبرى مثل شل وشيفرون وبي بي إجراءات إغلاق وقائية لمنصات رئيسية. يتوقع بعض المحللين أن يؤدي الإعصار إلى فقدان ما يصل إلى 9 ملايين برميل على مدى فترة الاضطراب، وهو رقم يفوق تأثيرات عواصف سابقة هذا العام. ساهم هذا الإغلاق المؤقت في تعزيز الارتفاع السعري يوم الخميس، خاصة مع مخاوف من تأثير محتمل في بعض المصافي الساحلية.

‎في مواجهة هذه الضغوط، تحركت القوى الغربية لتهدئة الأسواق. اتفقت دول مجموعة السبع على إطلاق نحو 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل من المخزونات الاستراتيجية على مدى 4 أشهر، مع إعطاء أولوية لإطلاق كميات كبيرة من الديزل خلال الـ20 يوماً الأولى.

أكدت وكالة الطاقة الدولية دعمها لتسريع استكمال التعهدات السابقة المعلنة في مارس 2026، مشيرة إلى أن نحو 325 مليون برميل قد أُطلقت بالفعل من أصل 400 مليون، وأن المتبقي يقارب الـ100 مليون برميل. جاءت هذه الخطوة بعد ضغوط أمريكية قوية تهدف إلى خفض أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية، خاصة أسعار الديزل التي سجلت مستويات قياسية في أوروبا.

‎على صعيد المنتجين، أبقت (أوبك+) في اجتماعها الافتراضي يوم الرابع من أكتوبر أهداف الإنتاج لشهر نوفمبر دون تغيير. أكدت الدول السبع الرئيسية (السعودية وروسيا والعراق والكويت والجزائر وكازاخستان وعمان) التزامها بالحصص الحالية، في ظل استمرار الإنتاج الفعلي أقل بكثير من المستهدفات بسبب اضطرابات الحرب.

كما أجلت المجموعة مراجعة قدراتها الإنتاجية اللازمة لتحديد حصص 2027، نتيجة حالة عدم اليقين المحيطة بإمكانات الإنتاج المستقبلية. في الوقت ذاته، أظهرت بيانات الشحن تعافياً نسبياً في صادرات الشرق الأوسط، حيث تجاوزت في بعض الأيام مستويات ما قبل الحرب، مدعومة باستئناف تدفقات خط أنابيب الشرق-الغرب السعودي.

‎ساهمت عوامل إضافية في تشكيل المشهد. أوقفت الصين أو علقت صادراتها من المنتجات المكررة (الديزل والبنزين ووقود الطائرات) لتعزيز مخزوناتها المحلية، ما أضاف ضغطاً على الأسواق العالمية. أما في الولايات المتحدة، فكشفت بيانات إدارة معلومات الطاقة عن انخفاض مخزونات الخام بنحو 3.2 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في الثاني من أكتوبر، مقابل توقعات بارتفاع، فيما تراجعت مخزونات المشتقات الوسطى وارتفعت مخزونات البنزين. هذه الأرقام عززت الشعور بشح المعروض الفعلي رغم الجهود الرامية إلى زيادته.

‎في المحصلة، تعكس تطورات الأسبوع الماضي سوقاً نفطياً لا يزال أسير المعادلة الجيوسياسية والمناخية أكثر من كونه محكوماً بأساسيات العرض والطلب التقليدية. فبينما ساهم إطلاق المخزونات والإشارات الدبلوماسية في كبح الارتفاعات الحادة، أبقت المخاطر المستمرة حول مضيق هرمز والإنتاج الأمريكي والإمدادات الخليجية الأسعار مرتفعة هيكلياً. ومع اقتراب موسم الشتاء في نصف الكرة الشمالي وارتفاع الطلب على التدفئة، يتوقع أن تظل التقلبات السمة الغالبة، ما لم تطرأ تطورات جوهرية على جبهة السلام أو استقرار الإنتاج البحري.

خبير استراتيجي في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية